شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (51) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (3-6)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه -أو ينبغي ألا يكون هناك شك فيه-: أن إصلاح التعليم على وجهٍ صحيحٍ يحقق للأمة نهضتها التي تطمح إليها، هو ما ينبغي أن تضعه الأمة في مقدمة اهتماماتها؛ فالتعليم هو الذي سوف يحمل الأمة إلى مواكبة التقدم العلمي الذي يعيشه العالم اليوم، على أن يكون موافقًا لإمكانياتها وقدراتها، ولا يفقدها هويتها ويجردها منها فيوقعها في تبعية لغيرها، أو ينتقص من استقلالها أو سيادتها فيجعلها مسخًا لا خير فيه؛ هذا هو الطريق الصحيح، والسبيل القويم لإخراج الأمة مما تردت فيه، وهذا هو ما تؤكده شواهد التاريخ قديمًا وحديثًا.

فعندما انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة قاسية لألمانيا وتقسيمها: (استطاعت أن تعود مرة أخرى وبقوة التعليم لتصبح منافسًا قويًّا لأمريكا، وغيرها من الدول المتصدرة سلم النهضة في عالم اليوم، بل إن كثيرًا مِن العلماء الأمريكيين الموضوعيين ينظرون اليوم إلى نظام التعليم في ألمانيا على أنه أفضل من نظيره في أمريكا. ويستحق الإشارة أيضًا هنا: التقرير الذي انتهت إليها اللجنة القومية للتميز في التعليم تحت عنوان: (أمة في خطر: حتمية إصلاح التعليم)، وكان الرئيس الأمريكي رونالد ريجان قد طلب عام 1981م من وزير التعليم الأمريكي أن تقوم لجنة من كبار رجال التعليم بدراسة حال التعليم الأمريكي، وكيف (نخلق هذا العطش) للتعليم الذي بنيت عليه أمريكا... فقناعة الناس الثابتة هي أن التعليم وتنميته أهم من تنمية أقوى صناعة أو أقوى جيش أو أفضل نظام صحي؛ لأنهم يعرفون أن التعليم هو حجر الأساس لكل ذلك!

وجاء التقرير مرتكزًا على حقائق وبيانات حقيقية تغطي الفترة 1963م - 1980م، وتقول: إن مدارس وجامعات أمريكا تعاني من انهيار مستوى التعليم فيها، وأن نصف خريجيها لا يصلحون للأعمال التي يلتحقون بها بعد التخرج، بل لا يرتقون لمستوى خريجي الجامعات في الدول المتقدمة الأخرى! ويصل التقرير إلى نتيجة مثيرة تقول: (لو أن قوة أجنبية معادية حاولت أن تفرض على أمريكا الأداء التعليمي الضعيف الموجود اليوم لأخذنا ذلك على أنه من أفعال الحرب)، أي: الحرب ضد أمريكا، (وكان رد فعل بعض البسطاء من المهتمين بالتعليم في الدول المتخلفة نحو هذا التقرير مثيرا للرثاء، فكيف يصف هذا التقرير نظام التعليم في أمريكا بالفشل، وأمريكا قد قدمت في النصف الثاني من القرن العشرين اكتشافات واختراعات مثل: الإنترنت وأعظم التلسكوبات ووصلت إلى القمر وغيرها من الاختراعات والاكتشافات في كل المجالات؟ وبدا الأمر بالنسبة لهؤلاء البسطاء نوعًا من المبالغة والطموح الأمريكي الذي لا يعرف الحدود في تنافسه مع الدول المتقدمة، وأن هذا التقرير لا يعني الدول التي لم تنهض بعد، بل إنه يمكن أن يشكل لها نوعًا من التعجيز والإحباط، غير أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للدارسين الجادين في دول ألمانيا وإنجلترا واليابان، فلقد أدرك علماء هذه الدول مغزى هذا التقرير ووضعوه في سياقه التنافسي الشرس الذي تعيشه الدول الأربع: أمريكا وألمانيا وإنجلترا واليابان عبر أكثر من قرنين من الزمان.

وهناك دول أخرى، مثل: روسيا والصين وفرنسا وماليزيا قد درست واستفادت من هذا التقرير وغيره من الدراسات، واستطاعت بذلك أن تتعرف على أسرار التنافس بين الدول الأربع في مجال التعليم وعلاقته بالاقتصاد، وكيف يكون ذلك هو المدخل الحقيقي لنهضة حقيقية شاملة).

(ومن المغالطات الكبيرة التي نعيشها في مصر: أن التعليم يأتي بعد الأمن والصحة ولقمة العيش، والحقيقة التي تعيشها كل الدول المتقدمة والنامية هي: أن التعليم هو الهدف الأول، وليس هناك تعارض بين الأولويات، فدولة مثل إسرائيل تعيش في حالة حرب منذ نشأتها، ولكنها تعطي التعليم الأولوية)، و(ذلك لسبب يسير هو أن التعليم يوفر ما يقرب من ثلث ميزانية كل الوزارات في أي دولة)، من خلال نظام تعليم جيد يتضمن إكساب مهارات وتدريب على أعمال، وفي هذا توفير كبير في ميزانيات الوزارات؛ لأن خريجي نظام التعليم الجيد سيمتلكون عند تخرجهم كل المهارات التي يتطلبها العمل بالوزارات، ويوفر لها ما تصرفه من مئات الملايين كل عام لتعليم أميين أو تدريب خريجين غير مؤهلين للعمل (مغالطة أخرى كبيرة هي القول بأن الإصلاح في التعليم؛ خاصة التعليم الفني يتطلب من الدولة ميزانية أكبر، والحقيقة المؤكدة: أن قطاع كقطاع التعليم الفني بعد تطويره وتحديثه، وحسن إعداد طلابه؛ سيعيد إلى وزارة المالية كل عام مئات الملايين، فالجميع يعلم أن التعليم الفني في مصر يعيش حالة من التدهور ليس بعده إلا الانهيار الكامل!) (راجع في ذلك: "التعليم ومستقبل مصر: رؤية واقعية وخطة عملية" د. وجدي زيد ط. مكتبة الأسرة 2015 م - الهيئة العامة المصرية للكتاب - ص 24 - 29) .

(ومن الموضوعية أن نتساءل هنا: لماذا تغافل كل حكام مصر السابقين عن هذه الحقائق؟ هل كانوا يعرفون، لكنهم يفضلون شعبًا غير متعلم يسهل حكمه والسيطرة عليه بالقوة؟ هل كانوا لا يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا، ويكتفون بالاستعانة بمن لا يعرف، لكنه مطيع، ويمتلك الألقاب العلمية والعلاقات القوية مع دوائر الحكم؟ هل هناك تقصير مقصود؟ مَن الذي دفع ويدفع نتائج هذا التقصير؟ السؤال الأخير هو الوحيد مِن هذه الأسئلة الذي أعرف إجابته: الذي دفع ويدفع وسيدفع نتائج هذا التقصير المقصودة هو الشعب المصري، وبخاصة أجيال الشباب التي ضاعت بسبب غياب التعليم الجيد) (المصدر السابق، ص 30 بتصرفٍ) .

لا تنمية بلا تعليم جاد:

الصفحة التالية