الفساد (51) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (3-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لـ(قد أصبح مستقرًا حتى في نظر المؤسسات المالية الدولية: (كالبنك الدولي) أن العامل الحاكم في التقدم هو الاستثمار الكثيف في البشر، أو ما يسمى بناء (رأس المال البشري). (ويمكن القول: إن تاريخ الفكر التنموي هو سجل لتطور مفهوم رأس المال، فقد وقع التركيز قديمًا على رأس المال الطبيعي والمالي وإن لم يهمل عنصر العمل، ولكن تسارع في العقود الثلاثة الأخيرة الاعتراف بأهمية العنصر البشري في منظومة النمو والتنمية، فقامت مدرسة (رأس المال البشري) التي اعتبرت أن الاستثمار يقع في البشر أساسًا من خلال التعليم مولدًا رأس مال جوهري للأفراد وللأسرة، وللمجتمعات على حد سواء، على صورة توجهات اجتماعية ومعارف وقدرات.
وتبلور مفهوم (تنمية الموارد البشرية) الذي قام على أن البشر مورد آخر، وعنصر من عناصر الإنتاج يتعين أن ينمى ويصان؛ لكي يحقق أقصى إنتاجية ممكنة، لكن رويدًا رويدًا تزايدت أهمية البشر حتى استقر مفهوم (التنمية البشرية) الذي يرى في رفاه البشر غاية الجهد الإنساني، وليس مجرد إحدى وسائله أو موارده، ويرتب أهمية كبرى لتطوير القدرات الإنسانية، وتوظيف هذه القدرات في تعظيم الرفاه المجتمعي، ويوسع كذلك نطاق الرفاه فيما وراء الجوانب المادية للعيش إلى الحالات الأرقى من الوجود الإنساني في نهايات القرن العشرين) (انظر: "كم ينفق المصريون على التعليم؟"، تأليف عبد الخالق فاروق وتقديم د. حامد عمار - ط. مكتبة الأسرة 2016 م - الهيئة المصرية العامة للكتاب - ص 42 بتصرفٍ) .
(كذلك تبلور مفهوم رأس المال الاجتماعي الذي يرتب أهمية كبرى لأنساق العلاقات الاجتماعية التي تنظم البشر في هياكل مؤسسية تحدد طبيعة النشاط الاجتماعي والاقتصادي ومدى كفاءته، وحتى في المنظور الاقتصادي الضيق يعد رأس المال الاجتماعي عاملًا حيويًّا في توليد النمو الاقتصادي).
(وتتقاطر الكتابات مؤخرًا في موضوع رأس المال الفكري، وتنشأ له الكراسي الأكاديمية في كبريات الجامعات، والذي يعترف بالأهمية الحاسمة للفكر والإبداع في إدارة المشروعات وفي تطوير المجتمعات). (ولعل أرقى أشكال رأس المال الإنساني ما يسمَّى: بـ(رأس المال الثقافي) الذي يمثِّل جماع المعرفة ومعين الهوية والخصوصية الإنسانية لطائفة من البشر، ويكتسب رأس المال الثقافي أهمية خاصة في حالة مجموعة البلدان العربية التي يمكن أن تحول إرثها الثقافي المشترك إلى عامل نهضة وعزة).
وللأسف (يغيب في غمار الحماس لـ(رأس المال المالي) والتهافت على تشجيعه في البلدان العربية الفقيرة: أن هناك إجماعًا الآن، حتى في دوائر الاقتصاد العالمي ذاتها، على أن جذب رأس المال المالي الخارجي أو تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي أو بناء القدرة التنافسية في الاقتصاد العالمي، وهي أعمدة الرأسمالية خاصة في البلدان المتخلفة، كلها رهن بكم وجودة (رأس المال البشري)، وبمدى رقي (رأس المال الاجتماعي).
وقد استقر في أدبيات التنمية خصوصًا في ظل نظام السوق الحر الذي تتحول إليه البلدان العربية باندفاعٍ خطرٍ: أن الوسيلة الناجعة لمكافحة الفقر هي تمكين الفقراء أنفسهم من كسر حلقة الفقر الشريرة من خلال المشاركة الفاعلة في النشاط الاقتصادي والمجتمعي، وليس لدى الفقراء من رأس مال إلا قوة عملهم، ويتطلب ذلك تبني الدولة لسياسات تزود الفقراء بأنواع رأس المال المختلفة البشري والاجتماعي والمالي والعيني، وأهمها الأول: قوامة المعارف والمهارات التي تتكون عن طريق صنوف التعليم المختلفة، والثاني: ومبناه التنظيم المؤسسي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المحقق للكفاءة الإنتاجية ولمصالح عموم الناس على حدٍّ سواء.
على أن التعليم العالي يلعب الدور المحوري في تشكيل الأكثر رقيًّا من رأس المال الإنساني، بل إن مساهمة التعليم العالي في بناء رأس المال الإنساني تتعاظم مع ارتقاء صنف رأس المال، وتكاد تكون مؤسسات التعليم العالي خاصة الجامعات تتحمل العبء الأساس في حيوية الفكر، أي تطوير رأس المال الفكري والحفاظ على ثقافة الأمة وتجديدها، أي بناء رأس المال الثقافي من خلال البحث العلمي وإعمال الفكر. وتلعب مؤسسات التعليم العالي خاصة الأنماط التنظيمية المحدثة القائمة على تداخل التخصصات المعرفية دورًا أساسيًّا في تطوير المجتمعات من خلال جهود البحث والتطوير التي تجري في تضافر وثيق مع وحدات قطاع الأعمال العام والحكومة والمجتمع) (المصدر السابق، ص 42 - 44) .
مصر في خطر:
لا يختلف اثنان من المهتمين أو المتابعين الجادين للعملية التعليمية في مصر: أن مصر تعاني مِن تردٍّ غير مسبوقٍ في نظامها التعليمي، وأن هذا التردي قد أصاب الأمة في الأجيال الحالية من شبابها ورجال المستقبل فيها، وينذر بما هو أسوأ في الأجيال القادمة إذا لم نسارع بالتصحيح والإصلاح!
إن الفساد قد أصاب أركان العملية التعليمية، فتصدعت، وصارت قابلة للسقوط والانهيار، ويكفي نظرة متأملة وفاحصة وشاملة لواقع التعليم في مصر؛ نظرة لمدارس غير مؤهلة للتعليم في مراحل التعليم المختلفة، نظرة لأحوال معلمين بائسة، وهم الذين قد وكل إليهم بناة الأجيال القادمة، نظرة إلى مناهج تعليم قاصرة، ووسائل تدريس بالية، ونظرة إلى نظم تقييم وامتحانات نمطية قديمة وما تفرزه لنا، ونظرة إلى التعليم الجامعي والبحث العلمي وما آل إليه.
وبعد ذلك: ماذا قدمت العملية التعليمية لسوق العمل سوى ملايين من شباب البطالة تزداد عامًّا بعد عام في أجواء تحتاج وتتطلع وبشدة إلى المزيد من الاستثمارات وزيادة الإنتاج؟! وقد طالت هذه البطالة أصحاب المؤهلات العليا، بل والحاصلين على الدرجات العلمية من الدكتوراه والماجستير الذين صار همهم الحصول على عقود للعمل بالخارج، لتحتضنهم دول العالم غربًا وشرقًا، وتستفيد هي منهم ونفقدهم نحن وربما نهائيًّا، بينما لم يجد العديد من أصحاب المؤهلات المتوسطة أو مَن تسربوا مِن نظام التعليم المتهالك إلا المغامرة بهجرة غير شرعية عبر مراكب الموت بعد أن انتابهم الإحساس بالغربة داخل وطنهم الذي ولدوا وعاشوا فيه!
نظرة على هيكل التعليم في مصر: