الفساد (51) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (3-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
كان التعليم في عهد محمد علي (من عام 1805م إلى عام 1841م) يتضمن فيما يتضمن: تعليمًا دينيًّا يبدأ بشبكةٍ كبيرةٍ من الكتاتيب، تصب في الجامع الأزهر الذي كان بمثابة منارة تعليمية في مجال العلوم الشرعية، وكانت نفقات هذا التعليم تتولاه الأسر والأفراد، وكذلك من إيرادات الأوقاف المخصصة لتمويل نفقات الجامع الأزهر أو الكتاتيب، كما كان يتضمن: تعليمًا مدنيًّا حديثًا تقوم بتمويله الدولة.
ومع انكسار طموح محمد علي ومِن بعده طموح الخديوي إسماعيل، وخضوع مصر للاحتلال البريطاني منذ 1882م، انحسر التعليم المدني في نطاق تخريج كتبة وإداريين للخدمة المدنية، وقد تقلص الإنفاق على التعليم حتى بلغ عام 1900م أقل من 1% من إجمالي مصروفات الميزانية (نحو 107 ألف جنيه من ميزانية بلغت 11 مليون جنيه مصري)، وبلغ عام 1913 م حوالي 3و3 % (حوالي 7و1 مليون جنيه)؛ مما حدا بسعد باشا زغلول إلى زيادة المخصصات المالية للتعليم عام 1928 /1929 م إلى 8و6% من الميزانية بعد توليه مسئولية الحكومة بعد إعلان الملكية ووضع دستور 1923م، ثم كانت الزيادة إلى 8و12% عام 1938م، وقد كان لتدني مستوى معيشة الغالبية من المصريين أثره في تواضع المبادرات لتعزيز التعليم.
وبمجرد إقرار حكومة الوفد عام 1943م / 1944م قانون مجانية التعليم الابتدائي في التعليم المدني الحديث تضاعف عدد طلاب هذه المرحلة خلال عامين من 43 ألف طالب إلى حوالي 65 ألف طالب.
وفي عام 1950م أصدرت حكومة الوفد قانون بمجانية التعليم الثانوي من أجل تعزيز فرص التعليم للفقراء، علمًا بأن نتائج تعداد السكان عام 1947م أظهرت أن تعداد سكان مصر وقتها بلغ 16 مليون نسمة، وبلغ عدد الأميين منهم 9و10 مليون شخص أي 68% من السكان، بينما كان عدد مَن يقرأون ويكتبون لا يزيد عن 9و2 مليون شخص أي 18 % من السكان، وعدد الحاصلين على تعليم متوسط لا يزيد عن 113 ألف شخص، أي: حوالي 7و0 % من السكان، بينما بلغ عدد الحاصلين على تعليم جامعي 57 ألف شخص أي 3و0 % من السكان.
تميزت الفترة من يوليو 1952م وحتى العدوان الإسرائيلي في يونيو 1957م: بإضفاء الحماية الدستورية على حق التعليم في دستور 1956م، ودستور 1964م، وإصدار قانون مجانية التعليم الجامعي عام 1962م، لتكتمل مجانية التعليم العام في كل مراحل التعليم المختلفة، وقد زادت عدد المدارس من أقل من خمسة آلاف مدرسة عام 1952م إلى حوالي 18 ألف مدرسة عام 1970م، وزاد عدد المدرسين من 40 ألف مدرس إلى 250 ألف مدرس خلال نفس الفترة، بينما زاد عدد الطلاب من أقل من 850 ألف طالب إلى 5و5 مليون طالب عام 1970م.
تميزت الفترة من بعد هزيمة يونيو 1967م وحتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين: بتواضع نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم، وتدهور البنية التعليمية الأساسية (من مبانٍ وتجهيزات ووسائط تعليمية ومعامل...)، بل وظهور ظاهرة (الدروس الخصوصية) كنظام تعليم غير رسمي مواز للتعليم الرسمي أشبه بسوق سوداء يخضع لنظام وأساليب غير قانونية ووسائل غير مشروعة.
لقد تعثر التوسع في البنية التحتية التعليمية؛ خاصة في بناء وتشييد المدارس بعد هزيمة يونيو 1967م، وحالت الأزمة الاقتصادية في منتصف السبعينيات دون زيادة المخصصات المالية لقطاع التعليم الحكومي؛ مما أدَّى إلى تفاقم الظواهر السلبية في النظام التعليم الحكومي، مثل: ارتفاع كثافة الفصول (التكدس)، وتضاؤل الأجور والمرتبات للعاملين في حقل التدريس مقارنة بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وصاحب ذلك سماح الدولة في المقابل بإقامة المشروعات التعليمية الخاصة، وعلى هذا زاد عدد المدارس الخاصة واللغات من 678 مدرسة عام 76 - 1977م وبعدد من الطلاب يشكلون 3و2 % من إجمالي الطلاب المنخرطين في التعليم قبل الجامعي وقتها، إلى 1247 مدرسة عام 84 - 1985م، وبعددٍ مِن الطلاب يشكلون 5و5 % من إجمالي الطلاب في المرحلة قبل الجامعية.
وفي عام 2001- 2002م تجاوز عدد المدارس الخاصة واللغات والأجنبية 3921 مدرسة بعدد طلاب تجاوز 2و1 مليون طالب وطالبة يشكلون حوالي 5و8 % من إجمالي الطلاب الملتحقين بالتعليم قبل الجامعي.
وقد تجاوز العدد في عام 2005 - 2006م الأربعة آلاف مدرسة يدرس فيها حوالي 5و1 مليون طالب وطالبة يشكلون حوالي 11% من إجمالي طلاب المرحلة قبل الجامعية، بل تصاعدت دعوات داخل المؤسسات الرسمية تدعو إلى الحد من مجانية التعليم باسم: (ترشيد مجانية التعليم!) (راجع المصدر السابق، ص 47 بتصرفٍ) .
لقد (ترتب على التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد: أن تحركت أعدادٌ مِن الطلاب وأولياء الأمور لصالح التعليم الخاص، سواء لضخامة الكثافة العالية في الفصول الحكومية، أو لوجود مجالات من الأنشطة التربوية والتعليمية بالمدارس الخاصة لم تعد متاحة بالمدارس الحكومية، ومع ذلك فقد ظل الثقل الرئيسي في النظام التعليمي المصري لدى المدارس الحكومية، بحيث ظلت تشكل حوالي 90 % تقريبًا من إجمالي الملتحقين بالتعليم قبل الجامعي، وفقًا للحالة في العام الدراسي (2004 - 2005م) (المصدر السابق، ص 50) .
وإذا كانت الفترة بعد وقوع زلزال أكتوبر 1992م وحتى مطلع الألفية الثالثة: قد تميزت بزيادة في الإنفاق الحكومي على التعليم، وازدياد حركة بناء وصيانة المنشآت المدرسية المتهالكة، وتحسن بعض المؤشرات التعليمية، مثل: نسب الالتحاق بالتعليم، واستيعاب المرحلة الإلزامية، وانخفاض نسبة الأمية قليلًا؛ إلا أنها شهدت انتشار ظاهرة الاستثمار الخاص في مجال التعليم، وإقامة منشآت تعليمية استثمارية الطابع، وربحية الهدف، سواء في المرحلة قبل الجامعية أو في التصريح بإقامة جامعات خاصة وأجنبية؛ مما عمق الازدواجية في نظام التعليم المصري، خاصة بعد أن توسعت الكليات الحكومية: كالحقوق، والتجارة، والاقتصاد في إنشاء أقسام تدرس فيها المواد الدراسية بلغات أجنبية -الإنجليزية أو الفرنسية- مقابل مصروفات كبيرة! (راجع المصدر السابق، ص 37 - 42) .