الفساد (52) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (4-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأيًّا ما كانت مستويات الإنفاق على التعليم ومنهجية قياسها، فإن تنمية الثروة البشرية التي تقع في المقام الأول على كاهل المؤسسات التعليمية قضية لا تقتصر في قياسها على حسابات التكلفة، وإنما تقدر كذلك بالناتج النهائي المتمثل في إعداد المواطن الذي ينشده المجتمع من الخريجين في مختلف مراحل التعليم، وهذا يعني ضمن ما يعنيه كم ونوع التعليم الذي يتاح لكل مواطن.
ومِن المؤشرات في هذه الدلالة: متوسط عدد سنوات التعليم للإنسان المصري والذي لا يزيد في المتوسط عن خمس سنوات ونصف في تعليم مؤسسي منظم، وذلك على أحسن التقديرات، وهذا عدد متدن من السنوات حيث يبلغ الحد القياسي الأقصى لمتوسط سنوات التعليم في الدول المتقدمة عشر سنوات تعليمية.
إن ذلك المؤشر انعكاس للقصور في معدلات القيد والاستيعاب الكمي في مختلف مراحل التعليم، فحسب بيانات عام 2005 - 2006م فمعدل القيد الإجمالي في مرحلة رياض الأطفال (من 4 - 6 سنوات) من مجمل هذه الفئة من مجموع السكان لا يتعدى 18 %، وفي التعليم الأساسي الإلزامي في حلقته الابتدائية يبلغ معدل القيد الصافي للفئة العمرية من 6 - 11 سنة من السكان حوالي 96 %، أي بعدم التحاق 4% من هذه الفئة من الأطفال في المدرسة الابتدائية أو تسربوا منها، وهذه النسبة تقدر بحوالي 4800 طفلًا، وفي الحلقة الثانية في التعليم الإعدادي (من 12 إلى 15 سنة) يصل المعدل إلى 96 %، وهذا يعني أن 5و1 مليون طفل لا يواصلون تعليمهم بعد المرحلة الابتدائية.
وفي التعليم الثانوي بقسميه العامي والفني يتدنى معدل القيد للفئة العمرية من (15 - 18) إلى حوالي 78 %، وهذا يعني أن حوالي مليون من الشباب في هذا السن يتوقف عند المرحلة الإعدادية، وتصل النسبة إلى حوالي 30 % من الفئة العمرية (18 - 22 سنة) من الملتحقين بالجامعات والمعاهد العليا والمعاهد الفنية المتوسطة، وهذه نسبة متدنية أيضًا إذا ما قورنت بالدول المتقدمة أو ببعض دول جنوب وشرق آسيا.
وهذه الإلمامة السريعة تبرز مدى القصور الكمي في حركة المنظومة التعليمية في استيعابها الكمي للأطفال والشباب الذين ينبغي أن يتمتعوا بحق التعليم، ولعلنا نتذكر أيضًا أن نسبة الأمية تقدر بحوالي 29 % من الكبار (10 سنوات فما فوق).
ويسوقنا هذا إلى ذكر ما أنفقته الدولة من الميزانية العامة السنوية على التعليم في عام2005 م - 2006م كمثال، والذي يقدر بحوالي 28 مليار جنيه وهو أعلى رقم منذ بداية القرن، مع أنه يعتبر من أدنى الأنصبة المخصصة للتعليم بالنسبة للإنفاق الحكومي السنوي العام وهي نسبة 14 % من الإنفاق العام، ويصل نصيب التعليم العالي من حوالي 30 % من الميزانية العامة المخصصة لقطاع التعليم، أو حوالي 9و3 % من الإنفاق العام، وتلك النسبة تعتبر بمقارنتها مع الدول المتقدمة وكثير من الدول النامية وحتى بعض الدول العربية نسبة متدنية حيث يبلغ متوسط نسبة تلك الدول ما بين (20 - 22)% من ميزانيتها السنوية، ويترتب على ذلك الإنفاق المتواضع في مصر أن تكون تكلفة التعليم بالنسبة للطالب في المرحلة الابتدائية 282 جنيها والإعدادية 405 جنيها والثانوية 1489 جنيهًا، والعالي حوالي 3500 - 5000 جنيهًا بسعر السوق، ومن حجم تلك المخصصات يتبين تدني نصيب الطالب من الإنفاق الحكومي (راجع في ذلك: "كم ينفق المصريون على التعليم؟"، ص: 13 -14) .
المدارس الحكومية:
لا شك أن المدرسة هي الأرضية التي تبنى عليها العملية التعليمية كلها وهي أشبه بمصنع لكن لإنتاج رجال المستقبل وعلمائه، وهي المكان الذي يلتقي فيه طالب العلم مع معلمه، لدراسة المناهج المقررة في المواد المختلفة، وفيها يكون تقدير مستوى هؤلاء الطلاب في نهاية كل مرحلة دراسية وقبل الانتقال لغيرها.
والمدرسة بنية تعليمية لها مواصفاتها الخاصة بها والتي يدرسها العاملون في الهيئات الهندسية والمقاولات، من حيث اتساع فصولها وحسن إضاءتها الطبيعية نهارًا، وجودة تهويتها، ومناسبة عدد طلاب كل فصل لمساحته وإضاءته وتهويته، وتوفر معامل مدرسية مجهزة، ودورات مياه نظيفة تتناسب أعدادها مع أعداد التلاميذ والطلاب بعيدًا عن الازدحام عليها في أوقات الراحة القصيرة أثناء اليوم الدراسي، إلى جانب فناء واسع وملعب أو أكثر للأنشطة الرياضية، وورشة أو أكثر للتدريب على الصناعات والحرف المختلفة، بالإضافة إلى وجود مكتبة مناسبة متاحة للجميع، وبالتالي كذلك لا بد من تحديد فترة زمنية لليوم المدرسي كافية لاستيعاب تدريس المواد المقررة وممارسة الأنشطة الرياضية والحرفية والترفيهية.
وللأسف فمع ضعف وقلة الاعتمادات المالية للتعليم في مصر، ومع تزايد أعداد الطلاب كل عام رأينا عبر العقود الأخيرة العجب العجاب في بناء المدارس الحكومية وإدارتها، فلعدم القدرة على بناء الأعداد المطلوبة من المدارس كان يتم بناء ما أمكن من المدارس الخالية من الكثير من متطلباتها فلا فناء واسع ولا ملاعب ولا معامل في كثير منها، والفصول صغيرة لا تتوافر فيها الإضاءة أو التهوية الطبيعية، وهي مع ذلك مزدحمة بالطلاب ومكدسة.
وفوق ذلك فالمدارس محرومة من الاهتمام الواجب بمنشآتها ومرافقها وصيانتها، وغير مؤمنة بالقدر الكافي الذي يحافظ عليها، وقد شهدت فترة أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات وجود ثلاث فترات دراسية في الكثير من المدارس، فكانت المدرسة تعمل بمثابة ثلاث مدارس في اليوم الواحد مقسمة ما بين الساعة السابعة والنصف صباحًا إلى الساعة الخامسة مساءً، وهي بالطبع فترات دراسية خالية من حصص الألعاب والأنشطة المختلفة ولا يتعدى زمن الحصة الواحدة فيها النصف ساعة، بل تم إلغاء السنة السادسة من المرحلة الابتدائية في فترة من الفترات، فكانت المرحلة الابتدائية خمس سنوات فقط.
وقد تم تصحيح الكثير من هذه الأوضاع بعد الطفرة المؤقتة التي حدثت في إعقاب زلزال 1992م فألغيت الفترة الثالثة في الكثير من المدارس، وأعيدت السنة السادسة للمرحلة الابتدائية، ولكن ما زالت الإمكانيات متواضعة عامة والفصول مكدسة، بما يؤثر قطعًا على الأداء وبالتالي على العملية التعليمية.