الفساد (52) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (4-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لقد بدأت الظاهرة في سنوات نهاية الشهادات الابتدائية والإعدادية والثانوية حرصًا من أولياء الأمور على حصول أبنائهم على الدرجات العالية خاصة مع تدهور حال المدرسة وتراجع مستوي المدرسين وجمود المناهج وقيامها على التلقين والحفظ، فلجأ أولياء الأمور إلى المدرسين المشهورين بالكفاءة في التدريس لمساعدة أبنائهم في مذاكرة المناهج، وقد طغت الظاهرة واستفحلت حتى غدت أمرًا مقبولًا بحكم تخدير العادة رغم ما فيها من معاناة على أولياء الأمور خاصة مع ازدياد التدهور واعتياد الأبناء على الدروس وتطلع أغلب المدرسين إليها إلى جانب منح وزارة التربية والتعليم لمدرسي الفصول حق تقدير نسب من درجات المواد الدراسية كدرجات أعمال خلال العام الدراسي يتحكم فيها المدرسون ويستغلونها للضغط على الطلاب للالتحاق بالدروس الخصوصية التي يقدمونها للطلاب، حتى صارت هناك مافيا من المدرسين يتحكمون في سوق الدروس الخصوصية.
يقول د. حامد عمار حول سلبيات الدروس الخصوصية ما مختصره: (إنها تحدث سلسلة من الاختلالات تبدأ من مجرد ضبط الفصل واستهلاك طاقة المدرس الفكرية والبدنية ليلا بما لا يمكنه من أداء واجبه في المدرسة نهارًا. وهي أداة لترسيخ عمليات التلقين وتخزين المعلومات واسترجاعها، وينعدم معها الفهم والحوار والمناقشة ومحاولة تنمية قدرات التفكير والإبداع. ثم إن معظم الطلاب لا يعنيه الاستماع للمعلم في الفصل لأن تعليمه الحقيقي يتم من خلال الدروس الخصوصية.
وباختصار: ثم اختزال عملية التعليم والتعلم إلى حدود التلقين والحفظ والتذكر والاسترجاع؛ بيد أن الخسارة الفادحة من هذا الوباء قد تعدت إلى مظاهر الاستهتار والانفلات من كل القيم التعليمية حول إهدار كرامة المعلم واحترامه، ومن الاعتداء على المدرسة وأسوارها، ومن تفجر العدوانية والعنف بين الطلاب ومدرسيهم. هذا فضلًا عن الخسائر التربوية والعلمية في عوائد تمويل الدولة للتعليم وفيما تنفقه الأسرة من المليارات التي تقدر بأكثر من 18 مليار من الجنيهات، وهي في تصاعد مستمر مع زيادة معدلات التضخم في سلعة التعليم.
ونشير كذلك إلى ما يترتب عليها من تمايز طبقي بين فئات المعلمين أنفسهم فضلًا عن تجاوز مبدأ تكافؤ الفرص لصالح الطلاب القادرين على تحمل تكاليفها وضد الطلاب الذين ينوء أولياء أمورهم أو يعجزون عن تحمل تكاليفها، وبذلك تسهم الدروس الخصوصية في تسليع عملية التعليم وإعلاء قيمة المال وإمكاناته في اكتساب القوة والمكانة لدى الطلاب منذ بداية مراحلهم التعليمية.
وبذلك لا تقتصر مخاطر الدروس الخصوصية على تهديد العملية التعليمية ومقاصدها، وإنما الأدهى ما يترتب عليها من تهديد لمقومات العدل الاجتماعي، ومن ابتزاز لحقوق الفقراء ومحدودي الدخل من أي فرص لمواصلة تعليمهم.
ومِن ثَمَّ أصبح الاتجار بالتعليم معرفة مماثلة للاتجار بأقوات الشعب، وبذلك أيضًا يغدو أداة من أدوات التفسخ المجتمعي واستثارة مظاهر السخط والتذمر في نفوس الطلاب وأولياء أمورهم) (المرشد الأمين، ص 157 - 158 بتصرف) .