الفساد (52) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (4-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وإذا كنا نتحدث دائمًا عن ضرورة رفع المستوى المادي للمعلم -الذي هو في حقيقة الأمر يقع ضمن السياق للفئات العامة المتدنية في البلاد- دون الدخول في أسباب ذلك التدني، فإن رفع المستوى المادي للمعلم -وهو ضرورة- لا بد من أن يواكبه أيضًا رفع كفاءته المهنية للقيام بدوره التربوي.
وإذا كان الميدان التعليمي يزخر بالمعلمين الشرفاء والأكفاء فإنه لا يزخر بالمعلمين المحترفين، والمعلم المحترف هو الذي تلقى تدريبًا محترفًا فاستطاع أن يتنقل بلياقة فنية في أدوار تربوية تشكل دوره العام في كونه معلم في مؤسسة تؤثر نتائجها على كل مؤسسات الدولة وكيانها؛ فلعل الدور المهم للتدريب بالتعليم هو تحقيق تنمية مهنية للمعلم يمكنه من القيام بمهامه التربوية في خدمة العملية التعليمية وتحقيق أهدافها في التربية والتنشئة والتعليم.
ويعاني التدريب عندنا واقعًا من ركود سواء في المادة التدريبية أو المحتوى الخاص بها وكذلك ركود في السعة العلمية والفكرية، وفي القدرة على إحداث التطوير من جانب القائمين على التدريب الذين يتم اختيارهم دون عناية في غالب الأحيان. فأصبح التدريب شكليًّا لا يحقق أهدافه المطلوبة إلا من بعض الأنشطة التدريبية لأكاديمية المعلم المهنية؛ فضلًا عن تقليدية الموضوعات التدريبية، واقتصارها على الموضوعات الخاصة بالمادة التدريسية، فأصبح التكرار والهامشية سمات كثير من موضوعات التدريب لتصبح شكلًا من أشكال إهدار الوقت والمال.
لعل من أهم ما يجب التأكيد عليه وإجراؤه على الفور هو تدريب المعلم على المهارات الفنية والتربوية الضرورية لتحقيق أهداف عمله التربوي الإنساني والتعليمي، مثل: إدارة الفصل، وخاصة الفصول عالية الكثافة، وكيفية بناء المهارات لدى الطلاب مثل العمل الجماعي وإدارة التفكير الابتكاري، وإدارة الحوار، وإدارة العلاقات التربوية بشكل عام.
ويجب أن يقوم بالتدريب أساتذة جامعيون ومتخصصون من المراكز العلمية والتربوية، عن طريق التواصل مع هذه المراكز وإعلان بروتوكولات تحدد الأطر العامة والمستدامة للتدريب الفاعل وإمداد المعلم ببطاقات علمية للقياس الذاتي يستطيع من خلالها قياس تنمية علاقاته المهنية والتربوية والعلمي بينه وبين طلابه ومحيطه العلمي، مع تخصيص يوم للمعلم أسبوعي -وليكن يوم السبت- يقوم فيه بالأنشطة الإثرائية والمكملة لعمله مثل التدريب والإعداد ومقابلة أولياء الأمور وخلافه استعدادًا لأنشطة العمل طوال الأسبوع، وتشجيع مبادرات المجتمع المدني والمؤسسات الداعمة في تدريب وتمويل المعلمين لمساعدتهم في أداء مهمتهم التعليمية في خبرة ودراية وتطوير (المصدر السابق، ص 17- 18 بتصرفٍ) .
المناهج الدراسية والامتحانات:
المناهج الدراسية هي أحد مدخلات العملية التعليمية ويعتبر تكامل مراحلها العلمية هو استقرار للصورة الفكرية والذهنية لدى الطالب في تناول منطقي لفاعليات المناهج المتنامية حتى إتمام مرحلة التعليم قبل الجامعي.
ومن الضروري أن يضع المجتمع مناهج التعليم ويحدد أهدافه العليا ومستهدفاته المرحلية وذلك عن طريق نخبة من علمائه ومفكريه وخبرائه لبناء الشخصية المصرية التي تتخذ التفكير العلمي منهجًا في إطار من القيم، على أن يضع رؤى واستراتيجيات مناهج التعليم قبل الجامعي أكاديميون وأساتذة تربويون لهم تواصل مع الخبرات الدولية للشعوب التي استطاعت أن تتقدم بقواعدها التربوية، كما توضع الرؤى العامة لطرق التدريس الأكثر حداثة، والتي تساعد المعلم على تدريب الطالب على التعلم السريع وتأصيل الفكر العلمي في صورة مبسطة مرتبطة بالحياة في منهج غير متنافر أو متناقض ينمي لدى الطالب مهاراته وذكاءه.
ومن الضروري أن نربي أبناءنا على الامتحانات التي تخاطب فكره المرتب علميًّا، وليس مجرد تذكره واستظهار للمنهج، حتى ننمي عند أبنائنا القدرة على الابتكار والعلمية في مواجهة مواقف حياتهم المستقبلية، وعليه يجب:
1- أن يضع الأكاديميون والخبراء التربويون مواصفات الامتحانات النظرية والعملية وورقة الامتحان بما يحقق تعزيز وتنمية الفكر والتناول العلمي وتنمية المهارات والذكاء لدى الطالب والذي يدعم التفكير في مقابل التذكر.
2- دون اللجوء إلى أسئلة الاستظهار والتلقين الذي هو من أسباب تفشي ظاهرة مراكز الدروس الخصوصية (راجع المصدر السابق، ص 14- 16 بتصرف) .
الدروس الخصوصية:
طفت على السطح من الثمانينيات ظاهرة الدروس الخصوصية، وتحولت إلى آفة تهدد النواحي التعليمية والتربوية، وكان من أسباب ظهورها:
1- ارتفاع كثافة الفصول نتيجة للزيادة السكانية وزيادة أعداد الطلاب في مقابل عدم زيادة في المنشآت المدرسية؛ مما تسبب في زيادة الأعباء الفنية على المعلم.
2- ظهور نظام الفترتين، بل الثلاث فترات في المدرسة الواحدة؛ مما تسبب في انخفاض أداء المدرسة.
3- جمود المناهج واعتمادها على الحفظ والاستظهار والتكرار والحشو في الوقت الذي شهدت فيه انحسارًا شديدًا في دور الأنشطة الدراسية كالمعمل، والملعب، وغيرها.
4- انخفاض المستوى المادي للمعلم في مقابل المسئوليات التي يلقيها المجتمع على عاتقه في التربية والتنشئة.
5- انعدام التدريب الفعال تقريبا بل وعشوائيته واقتصاره على المادة التدريسية دون التدريب على المهارات الخاصة بالمعلم حتى يكون محترفًا.
6- عدم الاهتمام بالمنشأة ومرافقها وتأمينها حتى أضحت في كثير من الأحيان مكانًا غير آمن ولا يدعو لاطمئنان أولياء الأمور على أبنائهم (وقد أدت كل تلك الأسباب السابقة إلى تهميش دور المدرسة وفقد ثقة المجتمع بها) (راجع "التعليم والمجتمع"، ص 19) .