الرد على (الحلقة الأولى) من هجوم اليوم السابع على البخاري
شحات رجب بقوش • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكعادتها بدأت جريدة اليوم السابع هجومًا على الإمام البخاري وصحيحه الجامع، تحت عنوان: "31 عالمًا مِن أهل السُّنة والجماعة ينتقدون البخاري"، وفيما يبدو أنها سلسلة مِن الحلقات انطلقت الأولى منها.
الملامح الرئيسة للمقال الأول:
وقبل التعرض لتفاصيل المقال، يجب أن نبيِّن الملامح العامة له، فالمقال حاول كاتبه أن يجعله يتسم بالموضوعية والتخصصية.
فأما الموضوعية: فقد كتب الكاتب الكثير مِن عبارات الثناء على البخاري وصحيحه، ليظهر من خلال ذلك أنه منصف ويتعامل مع الأمر بموضوعية، لكن لا يخفى على القارئ اللبيب أن هذه العبارات مجرد مداخل يكسب بها ودَّ القارئ ليتقبل بها النقد بعد ذلك، فكما يقال: "يضع السمَّ في العسل!".
وأما التخصصية: فقد بدا للقارئ أن الكاتب متخصص في العلم الذي يخوض فيه، فكاتب المقال قد ذكر أسماء بعض المصادر وأسماء بعض العلماء في أثناء المقال؛ مما يوهم أن مادة المقال ليست من بُنيات أفكاره، بل منسوبة لكتب وعلماء سبقوه فيما يرمي إليه، لكن المتمعن في نقوله يجده "حاطب ليل" يجمع ما تقع يده عليه دون تمحيصٍ وتحريرٍ؛ فماذا يفيد نقل فيه نقد للبخاري وقد رد عليه أهل العلم مرارًا وتكرارًا، ولم يتعرض الكاتب لهذه الردود؟!
وأيضًا: فإنه لم يقف على المصادر المذكورة، بل نقل عن مصادر وسيطة، وهي كتب شيعية معروفة بالكيد لأهل السنة -كما سنبين-.
كما يبدو للقارئ أيضًا: أن الكاتب لديه إلمام بالمسائل الحديثية حيث تناول بعض القضايا الحديثية، وعند دراستها يبدو فيها عجز كاتبها وبعده عن هذا العلم.
الانتقادات التي جاء بها المقال:
تمثَّلت الانتقادات الواردة في المقال في عدة نقاط: البخاري ليس معصومًا، بُعد زمان البخاري عن عصر النبوة، عدم إجماع الأمة على صحيح البخاري، مسألة حفظ السنة، موقف محمد بن يحيى الذهلي، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي من البخاري وصحيحه.
وفيما يلي عرض لما أورده الكاتب والرد عليه:
أولًا: عدم عصمة البخاري:
قال الكاتب: "لا ينكر أحدٌ أن الإمام البخاري مقدمًا في الإمامة والحفظ، لكنه بشر وليس معصومًا".
وهذه مِن الشبهات التي تتكرر كثيرًا، فيقول القائل: إن البخاري بشر غير معصوم، ثم يلزمه بأن يخطئ في كل شيء!
والجواب عن ذلك: أن البخاري ليس معصومًا، فقد أخطأ أخطاء في كتابه: "التاريخ الكبير"؛ مما دفع الإمام أبي حاتم الرازي إلى تأليف كتاب سماه: "بيان خطأ البخاري في التاريخ الكبير"؛ لكن السؤال هل غير المعصوم لابد أن يخطئ في كل عمل يعمله؟!
فمثلًا: الطبيب غير معصوم، فهل لابد أن يخطئ في كل عملية جراحية يجريها للمريض؟ وعلى فرض الإجابة بـ"نعم"، فهل كل خطأ يقع من الطبيب يؤدي حتمًا لوفاة المريض؟!
قس على ذلك الإمام البخاري في صحيحه، وكذلك عمل البخاري في صحيحه لم يكن عملًا فرديًّا، بل عرضه على بعض شيوخه، ومنهم الإمام أحمد وعلي بن المديني -رحمهما الله-؛ فدَّل ذلك على أن عدم العصمة للبشر ليست محل انتقاد، بل العبرة بمحل الخطأ وبيانه.
ثانيًا: قال الكاتب: "وتناسى الجميع مرور أكثر من مائتي عام بين حديث الرسول الكريم وبين جمع هذه الأحاديث بين دفتي كتاب".
وهذا يدل على جهل الكاتب بطبيعة الحالة العلمية في هذا الزمان، وهو ما يسمى عصر الرواية، حيث كان الاعتماد على الرواية الشفهية أوثق من الكتابة في الكتب، وكان التوثيق قائمًا على ذكر أسماء الرجال، وهذا كان المناسب لهذه المدة حيث ضعف الكتابة وصعوبة الحصول على أدواتها.
وتظهر هذه العبارة التي ساقها الكاتب أيضًا مدى الجهل بمسألة تدوين السنة، حيث تناسى الكاتب أو جهل أن السنة دونت في عهد الصحابة بإذن من رسول الله لبعض أصحابه، ثم ما كان في عهد التابعين حيث قام الزهري بالتدوين أيضًا ثم جمعت المصنفات والجوامع والمسانيد بين قبل عصر البخاري، مثل: مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ومسانيد أحمد وابن راهويه والحميدي، وجامعي معمر وابن وهب، وموطأ مالك، وسنن سعيد بن منصور والدارمي، وغيرها من الكتب التي سبقت البخاري.
ثالثًا عدم إجماع الأمة على صحيح البخاري:
ادَّعى الكاتب أن الأمة الإسلامية لم تجمع على صحيح البخاري، وعلة ذلك عنده: أنه يجعل لانتقاد الشيعة اعتبارًا يخرق إجماع الأمة، فقال: "البخاري وصحيحه يحظيان بشعبية كبرى عند أهل السنة والجماعة، لكن الأمة تشمل شيعة أيضًا هؤلاء الشيعة ينتقدون!".
وهذا الموقف يعني أحد أمرين:
إما أنه جاهل بحال الشيعة، وأنه لا يقام لانتقادهم وزنًا؛ لأن الشيعة يخالفون أهل السنة في كثيرٍ مِن المسائل التي لا تقل أهمية عن صحيح البخاري؛ فمن الشيعة مَن يقول بتحريف القرآن، ويطعن في عدالة الصحابة جميعًا إلا بضعة منهم، ومنهم مَن يطعن في زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل ومنهم مَن يشكك في نبوته -صلى الله عليه وسلم-، فلو فتح الباب لأخذ انتقاد الشيعة اليوم في صحيح البخاري، سيلزمنا الأخذ بكلامهم غدًا في القرآن، والصحابة، وزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا لا يقول به إلا جاهل.
وإما أن يكون هذا الكاتب يعرف مَن هم الشيعة جيدًا، ويدعو لاتباع أقوالهم وأخذ انتقادهم بعين الاعتبار، وهذا هو موقف الكاتب -فيما يبدو-؛ فإن الكاتب لم يعتمد مِن كتب المعاصرين في الاستدلال لنقده إلا كتابًا واحدًا، وهو "أضواء على الصحيحين" لمحمد صادق النجمي، والنجمي إيراني شيعي أحد علماء الحوزة العلمية في "قم"، ومَن يطالع مقدمة كتابه يقف على نيته الخبيثة مِن وراء الكتاب، والكتاب باللغة الفارسية، ولم يشر الكاتب إلى الترجمة العربية التي قام بها "يحيى كمال البحراني"، وهو شيعي آخر، والكتاب نشرته مؤسسة المعارف الإسلامية بإيران، فظهر بذلك التوجه الفكري لكاتب المقال، حيث إن المقال مستل بكامله مِن هذا الكتاب الشيعي!