الرد على (الحلقة الأولى) من هجوم اليوم السابع على البخاري
شحات رجب بقوش • قضايا معاصرة
ومما جاء في تقديم "ناشر الكتاب" ص 26 ما نصه: "إن المؤلف وإن كان يقطن قم المقدسة وهو أحد فضلاء حوزتها، وكان بعيدًا عن معاشرة أهل السنة ومحادثتهم، لكنه تصدى في دراسته لهذا الموضوع على الوجه السليم والأسلوب الصحيح، ورجاءنا مِن أهل العلم والفهم أن يقرأوا الكتاب بدقة حتى تتجلى لهم الحقائق أكثر فأكثر. أرجو مِن الله القدير أن يحفظ قوام الحوزة العلمية في قم المقدسة حتى ظهور صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن العسكري عجَّل الله -تعالى- فرجه الشريف، وأن يوفق جميع العلماء والمحققين في شتى أبواب العلوم الإسلامية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. مرتضى العسكري مساء الخميس 11 / 2 / 1392 هـ".
أمَّا مسألة إجماع الأمة على صحيح البخاري: فإنه منذ تصنيف "صحيح البخاري" تلقته الأمة بالقبول، وكم مِن شارح لأحاديثه، أو مترجم لرجاله، أو مستنبط لفقهه، أو دارس للغته، أو مستدرك عليه، أو متعقب له، أو مستخرج عليه، أو مختصرٍ له، وما زال إلى يوم الناس هذا؛ مادة ثرية للدراسة؛ مما يدل على أن "صحيح البخاري" لم تطوَ دفَّتاه عن العلماء يومًا، بل هو مفتوح بين أيديهم، قراءة وإسماعًا، ورواية، ودراسة، وشرحًا، وانتقاءً، مِن يوم أن كتبه جامعه إلى يومنا هذا، فلا يظنَّنَّ ظانٌّ أنَّ "الصحيح" كان في معزلٍ عن العلماء الأثبات، وأنه أول مَن نظر فيه، فينتقده نقد جاهل، فلقد تناولته أيادي الجهابذة جيلًا وراء جيل، ونظر فيه أساطين العلم والحكمة، عبر القرون، فما أبدوا إلا إعجابًا به وإذعانًا لفضل مؤلفه.
رابعًا: مسالة حفظ السُّنة:
قال الكاتب بعد ما تكلم عن حفظ الله للقرآن: "أما السنة بوجه عام، فإن الله -تعالى- قد أوكلها إلينا لنحفظها نحن، فحدث فيها خلط كبير، مثلما حدث في الكتب المقدسة السابقة، فالله -تعالى- أوكل حفظها للأحبار اليهود والرهبان وغيرهم فحدث خلط، والبعض لدينا يظن أن السنة مِن عند الله اعتمادا على قوله -تعالى- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (النجم:?) ، وفي ذلك خلط في الفهم والاستنباط".
ويبدو من هذا العرض: أن الكاتب يتجاهل العلاقة بين القرآن والسنة، وهذا ما نبَّه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وحذر منه، فعن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: ( لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
فالعلاقة بين القرآن والسنة: أن السنة مفسِّرة ومبينه للقرآن، أوحى الله بها للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليبيِّن لأمته، قال -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:??) ، فظهر بذلك أن الذكر الذي قال فيه -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:?) ، فدلت الآيتان على أن الذكر المحفوظ هو القرآن والسنة معًا.
وعلى فرض التسليم -من باب التنزل- أن الله أوكل حفظها للبشر، فلا يلزم ذلك أنهم فرطوا فيها كما فعل أهل الكتاب في كتبهم، بل كان مِن توفيق الله أن ألهم هذه الأمة علمًا لم يُسبقوا إليه، ظهر على يد أهل الحديث وقد كانوا نقادًا أفذاذًا ينتقدون كل دخيل ويكشفون كل بدعة تستحدث في الدين، فلولاهم لعمت البدع، وشاعت الشبهات؛ ولذلك قال الحاكم النيسابوري -رحمه الله- في مقدمة كتابه: "معرفة علوم الحديث" (ص 1): "أما بعد، فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّتْ، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علوم الحديث، إلخ".
وقبل ذلك قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة، قال: تعيش لها الجهابذة" (ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال، 1/ 192) .
فتبيَّن من ذلك: أن علم الحديث خير رادع لكل مَن أراد أن يحدِث في الدِّين ما ليس منه، وقال ابن المبارك -رحمه الله-: "الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ".
فكان المحدثون نقادًا ينقدون المرويات، وما نسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- بمنهج علمي رصين شهد بجودته المستشرقون المنصفون، قال القس المستشرق الإنجليزي "دافيد صموئيل مرجليوث" 1858: 1940م: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم" (ينظر: المقالات العلمية، ص 234- 253، نقلًا عن تقدمة العلامة المعلمي اليماني في المعرفة لكتاب الجرح والتعديل) .
فدل بذلك أن السنة محفوظة في الجملة، ولم يستطع الكذابون وضع حديث دون أن يكشفه العلماء ويبينوه، فبطل قول الكاتب: "أما السنة بوجه عام فإن الله -تعالى- قد أوكلها إلينا لنحفظها نحن، فحدث فيها خلط كبير"، وأنه إمَّا جاهل بعلوم السنة، أو يكيد لها.
خامسًا: موقف أبي حاتم من أحاديث البخاري:
استشهد المنتقد في مقاله بحديث يرويه ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن المقدام بن معدى كرب، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كيلوا طعامكم، يبارك لكم فيه"، ونفس الحديث يروى من طريق "بحير بن سعد" بدون ذكر "جبير"، وصحح ابن أبي حاتم الطريق الأولى، فقال المنتقد: "ووجه المخالفة أنه تبين من خلال تخريج الطريقين عند "أبى حاتم" أن الطريق الثانية فيها زيادة راو هو "جبير بن نفير" بين "خالد بن معدان" و"المقدام بن معدي كرب"، وقد رجح أبو حاتم هذه الزيادة عندما سأله ابنه بقوله: أيهما الصحيح؟ فقال: حديث ثور بن يزيد، حيث زاد رجلًا؛ فهنا خالف البخاري أبا حاتم في هذا الحديث، فرواه في صحيحه من غير هذه الزيادة".
والرد على ذلك:
هذه الشبهة قد تعطي القارئ انطباعًا أن القارئ من المتخصصين في العلم، لكنه في الحقيقة كالدابة التي قتلت صاحبها، فيبين العرض مدى جهله، وذلك من وجوه:
- سؤال ابن أبي حاتم كان حول الحديث من طريق "بحير بن سعد" بدون زيادة "جبير" أم طريق "ثور" مع زيادة "جبير" فيه، فاختار طريق أثبت الراويين عنده، وهو ثور.