الرد على (الحلقة الأولى) من هجوم اليوم السابع على البخاري
شحات رجب بقوش • قضايا معاصرة
- البخاري وقف على ما لم ينتبه إليه أبي حاتم، فالبخاري وجد الحديث يروى عن "ثور" نفسه على الوجهين -بذكر جبير وبدونه- رواه عنه ابن المبارك كما في مسند أحمد، والوليد كما عند البخاري (2128)، فدل على صحة الوجهين، وأن "خالد ابن معدان" سمعه من "جبير عن المقدام" مرة فحدث به، ثم سمعه بعلو من "المقدام"، فاختار البخاري الطريق العالية.
- وهذا الخلاف يبين زيادة علم عند البخاري، وليست محلًا لانتقاده كما فعل الكاتب.
- وحكم أبو حاتم بالصحة على الطريق النازلة (التي فيها زيادة جبير) لا يفيد ضعف الأخرى؛ إلا إذا ثبت انقطاع ما بصوره المختلفة، وبالرجوع إلى تراجم الرواة تبين الاتصال في حالة سقوط "جبير" فإن "خالد بن معدان" من تلاميذ المقدام، وبلديه (فكلاهما حمصي)، فتبين أن حكم أبي حاتم بالأصحيَّة على طريق دون الأخرى هو مِن باب المقارنة بينهما في الأصحية، وليس نفيًا للصحة عن إحداهما.
سادسًا: موقف الذهلي من البخاري:
نقل المؤلف من كتاب "أضواء على الصحيحين" للنجمي الشيعي، موقف الإمام محمد بن يحيى الذهلي من الإمام البخاري، واقتصر على ما قاله الشيعي دون الرجوع إلى الكتب والمصادر التي تناولت الموضوع، وهذا يدل على تحريره وأنه مجرد حاطب ليل، وليس طالبًا للحق.
والكلام في هذه المسألة من وجهين:
الأول: مسألة اللفظية.
والثاني: كلام الأقران.
أمَّا مسألة اللفظية: ففي فتنة خلق القرآن، أشكل على البعض مسألة التلفظ بالقرآن، فقال الفقيه "الكرابيسي": التلفظ بالقرآن مخلوق، فنهاه الإمام أحمد عن هذا القول؛ لأنه يحتمل معنيين:
أحدهما: الملفوظ نفسه؛ وهو القرآن، فلا يجوز إطلاق الخلق عليه.
والثاني: التلفظ به، والأداء له، وهو فعل العبد، فلا يجوز إطلاق نفي الخلق عليه.
لذلك كان نهي الإمام أحمد عن التكلم في مسألة اللفظية؛ لأنها موهمة، أما إذا فصَّل القائل في المسألة، وفرَّق بين اللفظ والملفوظ، فقال: إن الملفوظ هو كلام الله -عز وجل-، وهو القرآن المتلو المسموع بالآذان، وهو صفة مِن صفات الله، وبالتالي الملفوظ غير مخلوق. أما لفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأداؤهم؛ كل ذلك مخلوق لله، بائن عنه، فهذا حق وصواب تمامًا لا مرية فيه، وهذا ما كان يقول به البخاري؛ فإنه لما سأل في مجلسه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة" (ينظر: تاريخ بغداد للخطيب، 2/ 355) ، فحُمل كلامه المحمل السيئ، وقد تبرأ منه مرارًا، لكن تعلق الحسَّاد قديمًا وحديثًا بالمحمل السيئ لحاجةٍ في النفس.
وهذه المسألة "اللفظية" مسألة عقدية، ولم يقل مثيروها ما يقدح في حفظ البخاري أو ما يقلل من مكانته في علم الرواية، وقد وافق الإمام مسلم ما قال به البخاري أيضًا، وممن رجح كلام البخاري في المسألة أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل، 1/265)، وتاج الدين السبكي في "قاعدة في الجرح والتعديل، ص 35-36).
ثانيًا: كلام الأقران:
فرح الكاتب بما نقله من كتاب الشيعي من كلامٍ لبعض أقران البخاري، وخاصة الذهلي والرازيين (أبو حاتم وأبو زرعة)، ونقل بعض كلامهم في البخاري دون تحرير للمسألة، فإن مسألة كلام الأقران قد تكلم فيها أهل العلم، وقالوا كلامَ الأقران يطوى ولا يروى؛ إذ إنه يكون فيه حظ نفس وحسد، وذلك من طبيعة البشر.
قال الذهبي -رحمه الله- في السير: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا مَن عصم الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين" (سير أعلام النبلاء، المقدمة/ 59) .
وقال: "وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثَّق الرجلَ جماعة يلوح على قولهم الإنصاف" (سير أعلام النبلاء، 7/ 40) .
وقال: "فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثيرٍ منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما -رضي الله عنهما" (سير أعلام النبلاء، 7/ 143) .
فدل ذلك على أن وقوع الأقران في بعضهم البعض رغم إمامتهم لم يكن مقتصرًا على ما جرى بين الإمام البخاري والإمام الذهلي ومَن تبعه فقط، بل وقع هذا الأمر لغيرهم.
أما ترك الرازيين الرواية عن البخاري بعد مكاتبة الذهلي لهما بمسألة اللفظية، فساعدهم على ترك الرواية أنهما أقران للبخاري في نفس سنه تقريبًا واشتركا معه في معظم شيوخه فلا حاجة لهما بالرواية عنه؛ أما علمه فقد احتيج إليه بلا شك، فإن ابن أبي حاتم وهو تلميذ أبي حاتم -أبيه- وأبي زرعة الرازيين، وهو أعلم الناس بموقفهما من البخاري إلا أن كتب البخاري كانت تحت يديه يستفيد منها، حتى قيل: إن كتابه "الجرح والتعديل" ملخص لكتاب التاريخ الكبير للبخاري مع بعض الزيادات، بل الذهلي نفسه الذي أثار المشكلة قال عنه بلديه أبو حامد الأعمشي: ذكر أن الذهلي كان يسأل البخاري عن الأسامي والكنى وعلل الحديث، والبخاري يجيبه، (ينظر: تاريخ بغداد، 2/ 253) ، ولم يروَ عن الذهلي أنه تكلم في إمامة البخاري في الحديث بعد ما أثار أمر اللفظية، ثم إن عالمًا كالترمذي قد فاضت كتبه بسؤالاته للإمام البخاري فما ضره ترك رواية أحد له.
قال الذهبي عقب ذكره لترك الرازيين الرواية عن البخاري: "إن تركا حديثه، أو لم يتركاه، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم" (سير أعلام النبلاء، 12/ 463) ، وهذا التعقيب النفيس من الذهبي فات الكاتب؛ لأنه لم ينقل من السير، بل من كتاب الشيعي.
وفي الختام:
يدل ما تقدم أن مقال الكاتب هو مجرد إعادة نشرٍ لشبهاتٍ مردود عليها مرارًا وتكرارًا، والكاتب يحاول إحياءها، بنقله لها مِن كتب غير أهل السُّنة ودون تحريرٍ لها، ودون اصطحابها بردود أهل العلم عليها.