الرد على (الحلقة الثانية) من هجوم "اليوم السابع" على "البخاري"
شحات رجب بقوش • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد استأنفت "جريدة اليوم السابع" السلسلة التي تهدف إلى نقد صحيح البخاري، بمحاولةٍ مِن الكاتب إثبات أن 31 عالمًا قد انتقدوا البخاري، مما يجعل أمر نقده مباحًا لمن علِم ولمن لا يعلم.
الملامح الرئيسة للمقال الثاني:
تناول المقال الثاني عددًا مِن العلماء قد انتقدوا صحيح البخاري، وهم: الإمام مسلم، والترمذي، وابن عمار الشهيد، والعقيلي، والجصاص، والإسماعيلي، ليصل العدد بهؤلاء الستة إلى تسعة علماء قد تم الرد على الثلاثة الأول منهم في المقال السابق، وهم: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي.
ويُلاحَظ على هذا المقال الآتي:
- اعتماد الكاتب على كتب مشبوهة ساقطة، مردود عليها، فكما كان مصدره في الحلقة الأولى كتاب: "أضواء على الصحيحين" لمؤلفه بالفارسية النجمي، وترجمة البحراني، وهما شيعيان رافضان، ففي هذا المقال اعتمد على كتاب: "صحيح البخاري نهاية الأسطورة" للصحفي المغربي إيلال رشيد، وهو كتاب ضعيف مردود عليه مِن عددٍ مِن المتخصصين، منهم:
- الدكتور محمد أحمد رفيق في كتابه: (مصر) "الجهالات المسطورة في الرد على نهاية الأسطورة".
- وعبد الرازق الجوزي (المغرب) في كتابه: "صفعة إذلال لترهات إيلال".
- ويوسف سمرين (العراق) في كتابه: "بيع الوهم، تهافت رشيد إيلال".
- والدكتور نبيل بلهي (الجزائر) في كتابه: "التفنيد لشبهات إيلال رشيد".
- رغم نقل الكاتب من هذا الكتاب المردود عليه؛ إلا أنه لم يتعرض قط لمناقشة الردود عليه، وهذا من التدليس على القارئ.
- ينقل أقوالًا لابن حجر جاءت في فتح الباري في سياق الرد عليها وليس الإقرار بها، فينتزعها الكاتب من السياق ليوهم القارئ أنه رأي ابن حجر، ويغفل عن نقل رد ابن حجر عليها ومناقشته.
- يسوق اختلاف العلماء مع البخاري فيجعل على طول الخط البخاري في الجانب المرجوح، والمختلف معه الراجح، دون تحرير لمحل الاختلاف، وهذا يظهر ضعف الكاتب العلمي، وأنه مجرد ناقل.
- همٌّه تكثير عدد المنتقدين بالرغم من أن بعضهم لم يتعرض للبخاري مطلقًا، مثل إيراده ابن عمَّار الشهيد -كما سيأتي-.
- إيراده لهؤلاء العلماء لا يسوغ للكاتب أن يقوم بالنقد مثلهم، فهم الحفاظ الذين عاشوا مع الحديث رواية ودراية، وتكون لديهم منهج علمي، قد يختلف مع منهج البخاري في مسألة او مسألتين، فلا يحق للكاتب أن ينقد مثلهم ما لم يمتلك ما امتلكوه من التأهيل.
شبهات الكاتب في الحلقة الثانية:
بعد توضيح الملامح العامة سنأخذ كل عالم ممن زعم الكاتب أنهم انتقدوا البخاري، فنناقش ما أورده الكاتب:
أولًا: الإمام مسلم:
تمثَّل نقد الإمام مسلم للبخاري كما يزعم الكاتب في أمرين:
الأول: عدد من المميزات تميز بها مسلم فجعل الكاتب عدم وجودها عند البخاري عيبًا واختلافًا منهجيًا قادحًا، فبين أن مسلم لم يسق في صحيحه إلا معلقات قليلة مقارنة بالبخاري، وجعل هذا عيبًا في البخاري.
والرد أن كلًا منهما أورد المعلقات فظهر أنها ليست عيبًا عندهما، ثم مسألة القلة والكثرة فهي حسب الحاجة، والبخاري قد قسم صحيحه إلى كتب وأبواب وساق المعلقات في تراجم أبوابه، أمَّا مسلم فقد قسم صحيحه إلى كتب فقط فكان استخدامه للمعلقات أقل، مع اتفاقه مع البخاري في أصل إيراد المعلقات، فبطلت شبهة الكاتب.
إقراره بأن الإمام مسلم كان يتحرّى الدقة الشديدة في مروياته، فكان يذكرها كما رواها وسمعها، ولم يكن يقطِّع الأحاديث، ولم يكن يتصرَّف في الألفاظ، إضافة إلى ذلك فإنه كان يفتِّش عن أسماء من لم يسمُّوا في الأحاديث، ويهتمُّ بإيراد أسمائهم. ثم ادعى أن البخاري أهمل هذا كله، وهذا ادعاء باطل ولا يعد هذا انتقادًا من مسلم للبخاري، بل الثابت عن مسلم إذعانه بالفضل للبخاري -رحمه الله-، فعندما سمع مسلم جواب البخاري عن حديث كفارة المجلس فقال مسلم: "دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله" (ينظر: تاريخ بغداد 15/ 121) .
أمَّا قول مسلم في حديث أخرجه البخاري "نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه شيئًا وأخر وزاد ونقص"، فهذا سياق مقارنة بين رواية: "شريك" و"ثابت" لحديث الإسراء، وليس انتقادًا للبخاري، والدليل على ذلك أن مسلم نفسه أخرج حديث شريك كما أخرجه البخاري؛ فلو أن مسلمًا كان يراه ضعيفًا ما أخرجه، فبطلت الشبهة من أصلها.
ثم إن البخاري -رحمه الله- كان يعلم أن سياق القصة من رواية شريك فيها تقديم وتأخير وزيادة ونقص، فلم يخرجها في باب: "الإسراء"، ولا في باب: "المعراج" من صحيحه؛ بل أخرجها في باب: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- تنام عينه ولا ينام قلبه برقم (3570) مقتصرًا على أوله، وبتمامه في باب قَوْلِهِ: ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) (النساء:164) برقم (7517)، أي: أن البخاري علم أن في سياق القصة تقديم وتأخير فلم يخرجها إلا في الأبواب التي لا تتأثر بالتقديم والتأخير، وساق الروايات المتقنة في بابي الإسراء والمعراج، وهذا يدل على إمامة البخاري وحذقه، فقد حدد الجزء المستقيم من الجزء المختل في متن الحديث الواحد.
وأورد كاتب المقال شبهة إخراج البخاري لرواة لم يخرج لهم مسلم، وهذا ليس بقادح، ففي كل كتاب مِن كتب السنة رواة ليسوا في غيره، فلو قدح ذلك ما سلم كتاب.
وأما مسألة السماع بين المتعاصرين التي خالف فيها مسلم البخاري فالرد من وجهين: أن البخاري لم يتفرد برأيه، بل شاركه فيه جماعة من العلم. والوجه الثاني: أن مسألة السماع بين المتعاصرين رأي البخاري فيها أشد احتياطًا من رأي مسلم، فلو هناك محلًا للانتقاد سيكون لرأي مسلم لا لرأي البخاري؛ فتبيَّن من ذلك أن مسلم يقر للبخاري بالإمامة، وأن ما زعمه الكاتب من خلاف بينهما مجرد ادعاء.
أمَّا الترمذي: فقد ذكر الكاتب حكم الترمذي على حديث في الصحيح بالاضطراب، والمعروف أن المضطرب هو ما اختلف فيه مع تساوي طرفي الاختلاف دون ترجيح، وقد عجز الترمذي على الترجيح بين وجهي الاختلاف في الحديث بينما رجح الدارقطني، وابن حجر الوجه الذي أخرجه البخاري، كما في "فتح الباري" (1/ 348)، ومَن علم حجة على من لم يعلم، فبطلت الشبهة.