الرد على (الحلقة الثانية) من هجوم "اليوم السابع" على "البخاري"
شحات رجب بقوش • قضايا معاصرة
أما ابن عمار الشهيد: فقد أورده الكاتب من باب "زيادة العدد"؛ لأن كتابه الوحيد الذي تركه هذا العالم اسمه: "علل أحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج"، أي: أنه مختص بصحيح مسلم وليس البخاري، ولو أن ابن عمار يريد انتقاد البخاري فما الذي يمنعه من تصنيف كتاب حول البخاري كما صنف كتابًا حول مسلم، فلم يصبح لذكر ابن عمار في المقال أي معنًى، والسبب في إيراده ضمن منتقدي البخاري أن إيلال رشيد قد ذكره في كتابه الساقط سالف الذكر، والكاتب ينقل منه دون تحرير.
وأمَّا أبو جعفر العقيلي: فقد أورد الكاتب أن العقيلي انتقد البخاري في إخراجه لحديث (الأقرع والأبرص والأعمى)؛ لسببين:
الأول: ضعف أحد رواته، وهو "همام بن يحيى".
والثاني: أن الحديث ليس في مسند الإمام أحمد، وإنما تفرد به البخاري ومسلم.
أما عن ضعف "همَّام بن يحيى" قولًا واحدًا كما فعل الكاتب فمردود، فهو من رجال الصحيحين، ثم يمكننا القول من باب التنزل أنه مختلف فيه، فقد وثَّقه يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين في أكثر من رواية، وحماد بن سلمة، وعلي بن المديني، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن سعد، وأبي حاتم، وابن عدي، وأبو بكر البرديجي، والعجلي، والحاكم؛ هؤلاء الثلاثة عشر ناقدًا يوافقون البخاري ومسلم في توثيق "همام بن يحيى"، وفي المقابل لم يتكلم فيه إلا يحيى بن سعيد القطان، وربما تبعه أبو جعفر العقيلي في تضعيفه كما ذكر كاتب المقال، فلماذا اختار الكاتب رأي الأقل، والمنطق أن يأخذ برأي الكثرة؟ والجواب أن الذي يريد النقد يفتش عما يوهم عيبًا فقط.
ثم هل ثبت "يحيى بن سعيد القطان" على رأيه في "همام"؟
الإجابة: لا؛ لأن النقاد عند الاختلاف في الراوي يقومون بعملية سبر لمروياته، وهي باختصار عملية مقارنة دقيقة للمرويات المشتركة بينه وبين راوٍ آخر ثقة للوقوف على مدى ضبطه من عدمه، وهذا ما تم مع "همام"، حيث قال عفان بن مسلم: "كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلما قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق همامًا في كثير مما كان يحيى ينكره، فكف يحيى بعد عنه" (ينظر: الضعفاء الكبير للعقيلي 4/ 368) .
وقد صحح عليه ابن حجر في "اللسان" فذكر العقيلي له في كتابه: "الضعفاء" للاختلاف فيه وليس تضعيفًا مطلقًا، ومن سبر مروياته عَلِم ضبطه وثقته، فمن علم حجة على من لا يعلم.
ثم انتقد كاتب المقال عدم إخراج الإمام أحمد وأصحاب السنن للحديث، وهذا كلام ليس له محل، فهذه الكتب تحتكم إلى الصحيحين، وليس الصحيحان يحتكمان إليها، كما أخرج في غير الصحيحين: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" كما في "الإحسان" (314) والبيهقي في "الكبرى" (14251)، فبطلت هذا التشويش من كاتب المقال أيضًا.
وأخيرًا -في مسألة العقيلي- إن كاتب المقال قد أورد اختلافًا منهجيًّا بين البخاري ومسلم آنفًا -قد رددنا عليه في موضعه-، لكن نلزمه به هنا، فإذا ما كان البخاري ومسلم مختلفين منهجًا ورغم اختلافهما فقد اتفقا على إخراج حديث: (الأبرص والأقرع والأعمى) ألا يعد ذلك دليلًا على أن الحديث ثابت عندهما، وليس أحد منهما قد تبع الآخر، وبالتالي فلا يضرهما حينئذٍ مَن يخالفهما، وخاصة إذا كان أقل إمامة منهما كالعقيلي.
أبو بكر الجصاص: قال الكاتب في مقاله: "وردًّا على حديث: "سحر الرسول" قال أبو بكر الجصاص الحنفي في كتابه أحكام القرآن: "وهذا الحديث من وضع الملحدين"، قال: وضعه ملاحدة كفار وزنادقة في البخاري ومسلم، وللأسف جازت الحيلة على البخاري ومسلم فصدقا هذا الحديث وجعلاه في صحيحهما".
والرد على هذه المسألة مِن وجوهٍ:
أولًا: مدى دقة نقل الكاتب: قال الجصاص في "أحكامه" (1/ 60): "ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين"، فجعلها كاتب المقال: "وهذا الحديث من وضع الملحدين"، والفرق بين اللفظين كبير إذا وقف القارئ على السياق وحيثياته، فإن الجصاص أراد بعبارته الحكم على مسألة عقدية، أما بعبارة كاتب المقال أنه حكم على الحديث ذاته.
ثانيًا: الجصاص عالم حنفي وعمدة في الفقه الحنفي، لكنه ليس محدثًا بنفس درجة البخاري ومسلم وغيرهما، حتى يكون كلامه حكمًا على المحدثين، ثم هو عنده آراء اعتزالية تأثرًا بشيخه أبي الحسن الكرخي رأس المعتزلة في زمانه، وقد ظهرت هذه الآراء واضحة في مواضع متفرقة من كتابه، مثل: نفيه لرؤية الله، ونفيه السحر، فلما تناول قضية السحر وأراد إنكاره ليوافق المعتزلة في نفيه؛ لجأ إلى تطبيق نفس مناهج استدلالهم، ومنها: رد النصوص الصحيحة التي لا توافق مذهبهم، بحجج عقلية واهية، وليس على طريقة أهل الحديث من بيان أسباب الضعف والعلة، فظهر بذلك بطلان الاستدلال بكلام الجصاص، أو ليكشف الكاتب عن انتمائه للمعتزلة.
أبو بكر الإسماعيلي: ساق الكاتب بعض الانتقادات المنسوبة إلى الإسماعيلي، منها: حديث إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه يوم القيامة، فقال الكاتب: "وقد طعن فيه "الإسماعيلى"، قال ابن حجر في "فتح الباري" الجزء الثامن "وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله، وطعن في صحته، فقال بعد أن أخرجه: "هذا خبر في صحته نظر، من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيًا، مع علمه بذلك".
ويلاحظ على الكاتب أنه لم ينقل كلام الإسماعيلي من كتبه مباشرة، بل يظهر أنه نقل عن ابن حجر عن الإسماعيلي، وهو في الحقيقة منقول من الكتاب الساقط لإيلال رشيد، ولو نقل من ابن حجر كما ادعى لوقف على جواب ابن حجر على هذه الشبهة.
والجواب:
نعم قال بذلك الإسماعيلي كما نقله ابن حجر، لكن أجاب ابن حجر عليه من وجوه عدة، أهمها ما نقله عن الكرماني: أن الخزي الذي استشكله الإسماعيلي هو المذكور في الآية: ( رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (آل عمران:192)، وخزي الوالد خزي الولد. (ينظر: فتح الباري 8/501) .