الفساد (53) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (5-6) نظرة على التعليم الفني
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أدَّت الأبحاث المقارنة التي تتعلق بالتعليم التكنولوجي والفني في الدول الكبرى المتقدمة: (أمريكا، وألمانيا، واليابان، وإنجلترا) إلى قناعةٍ بأن الوضع الآمن في ضبط العلاقة بين التعليم العادي (العام) والتعليم التكنولوجي والفني، هو أن يلتحق نحو ثلثي أعداد الطلاب بعد الانتهاء من المرحلة الإعدادية بالتعليم التكنولوجي أو الفني، بينما يلتحق الثلث الأخير بالتعليم العادي (العام أو التقليدي)، بل هناك دول بالفعل استطاعت أن تقلل هذا الثلث الأخير ليصبح أقل من 10 %، وكان ذلك سببًا مباشرًا في تقدمها (راجع في ذلك: "التعليم ومستقبل مصر: رؤية واقعية وخطة عملية" د. وجدي زيد - ط. مكتبة الأسرة 2015 م الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 34 - 36 بتصرف) .
و(لابد أن يستقر في وعي المصريين: أن هدف التعليم لم يعد إعداد الطالب أو الطالبة من أجل الحياة فقط كما كان في العشرين سنة الأخيرة، فلقد شهدت هذه السنوات تغييرًا جوهريًّا فقد فيها مفهوم (التعلم من أجل الحياة) مكانته، وأصبح مفهوم (التعلم من أجل العمل) هو القاعدة التي تتأسس عليها ليس فقط توجهات وخطط وسياسات النظام التعليمي، بل أيضًا كل المناهج الدراسية في أي نظام تعليمي، يرتبط عضويًّا وبشكلٍ كاملٍ باقتصاد الدولة.
ويتميز مفهوم (التعلم من أجل العمل) بأن يهدف إلى إكساب المتعلم مهارات العمل دون استبعاد لمهارات التعلم، التي تشمل القراءة والكتابة واللغة، والحساب، والدراسات الإنسانية والاجتماعية، فالهدف من التعلم من أجل العمل هو إعداد المواطنين ليكونوا أفرادًا واعين واثقين، ومسئولين مساهمين في تطوير أنفسهم ومجتمعاتهم، من خلال اكتشاف وتطوير قدراتهم ومهاراتهم في مراحل التعليم الأولية، وينعكس هذا الهدف مباشرة ليصبح المتعلمون بذلك مؤهلين لأعمال ووظائف بعينها).
(ويذكر التاريخ: أن كل الدول المتقدمة قد عانت من قبل ولسنوات طويلة وبدرجات متفاوتة من جراء بناء أنظمتهم التعليمية وفق مفهوم التعلم من أجل الحياة، الذي أدَّى إلى انفصال سوق العمل عما يدرسه المتعلم في المدرسة والجامعة والمعهد، لكن هذه الدول أدركت بعد دراسات وأبحاث عملية ضرورة الربط العضوي بين المناهج الدراسية وسوق العمل، وضرورة إكساب المتعلم مهارة التوظيف أثناء مراحل التعليم أو إيجاد عمل، وهي مهارة تستلزم استخدام خبرات المتعلم ودرجته العلمية؛ إضافة إلى مهارات الحاسب الآلي والإنترنت، والقدرة على التواصل والمساهمة بذكاء وبشكل متكامل مبدع مع الآخرين في محيط العمل.
ويدهش المرء عندما يقرأ في التقارير الخاصة التي أعدها مجلس التعليم البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية عن الانفصال الكامل بين ما يحصله المتعلم ومهارات التوظيف التي يتطلبها العمل، وكيف أن المدارس والجامعات البريطانية ليست سوى (مؤسسات زائفة)؛ لأنها لا تقدم المطلوب حقيقة منها، وتنتهي هذه التقارير إلى أن السبب الأصيل لفقدان إنجلترا مكانتها المتقدمة التي احتلتها طوال أكثر من مائة عام وحتى قيام الحرب العالمية الثانية هو أن إنجلترا -مهد الصناعة الحديثة- كانت آخر من بنى نظامها التعليمي وربطته بشكل كامل بالتصنيع ذاته والاقتصاد، ولكي تعود إنجلترا إلى مكانتها بدأت وبسرعة إعادة بناء نظامها التعليمي لتكون الجوانب التكنولوجية في التعليم هي بيت القصيد في عملية التغيير كلها) (المصدر السابق، ص 57 - 60).
سلبيات في التعليم الفني:
في الميدان التعليمي ومدارسه الفنية نجد بالفعل صروحًا من المنشآت المدرسية ذلت القدرات البنائية العالية في غالب الأحيان، أما ورشها التدريبية القائمة بالفعل فتكاد تكون خاوية تقريبًا من الآلات التعليمية في ظل ركود إداري.
وعلى الجانب الآخر: فإننا نجد منتجًا هزيلًا من خريجي التعليم الفني لهذه المدارس، وقد تنحى بالفعل من سوق العمل كعمالة فنية مدربة، بيد أن خريجي المدارس الفنية من المفترض أنهم القوة الضاربة لتنمية الاقتصاد؛ تلك القوة التي أهملناها ضمن ما أهملنا، فأصبحت عبئًا اقتصاديًّا يواجِه بطالة في الداخل وتجاهلًا في الخارج.
وذلك لأسبابٍ عديدةٍ، منها:
1- العشوائية وغياب الرؤية في تضفير قوة خريجي المدارس الفنية الذي يشكِّل نبعًا من منابع الاقتصاد.
2- الفجوة الظاهرة بين ما يمكن أن يسمى: (النظرية والتطبيق) بين أطر فنية معتمدة على أرض الواقع مثل مشروع التعليم المزدوج، والمعروف باتفاقية: (مبارك - كول)، وذلك نتيجة لسوء الإدارة وبدائيتها وضيق الأفق المهني لبعض التنفيذيين في التعامل بمرونة مع المستجدات.
3- غياب الشراكة الممنهجة والمنظمة بين المصانع ومدارس الوزارة، وعدم مراجعة وتقويم وتنمية تلك الشراكة.
4- مركزة الإدارة: فعلى سبيل المثال: تتكون مديرية القاهرة من عدد 32 منطقة تعليمية منتشرة في جميع أنحاء القاهرة، يبلغ عدد المدارس الفنية بها نحو 150 مدرسة، وعلى الرغم من ذلك يتم تعيين المديرين والوكلاء في المدارس عن طريق مدير التعليم الفني في المديرية دون اشتراك مدير عموم المناطق التعليمية في الاثنين والثلاثين منطقة، وهذه القواعد الإدارية تتم في جميع مديريات الجمهورية.
وفي غالب الأحيان: يكون الاختيار غير قائم على أسس موضوعية، بل في إطار من التقليدية بعد الإلمام الكافي بقدرات المتقدمين؛ مما له الأثر السلبي على أداء المدارس في النواحي الفتية والإدارية.
5- عدم الارتباط الكافي باتجاهات واحتياجات سوق العمل سواء الداخلي أو الخارجي؛ مما يفقد الخريج فرصة اللحاق به.
6- الروتينية في الأداء وعدم الحماس من المعلمين نتيجة لمعوقات الإدارة والتدريب، فأصبح التعليم الفني أقرب للتعليم النظري منه إلى العملي، فضلًا عن أطر مالية بدائية وطويلة الإجراءات.
والعلاج ينبغي أن يتضمن:
1- أن يعمل التدريب الفني في إطار رسالة قاعدتها الأساسية أنه لا تعليم فني بدون تدريب فني يرتبط بسوق العمل في الداخل والخارج.
2- تقييم وتطوير مشروع التعليم المزدوج، مثل الإطار الذي تضمه اتفاقية: (مبارك - كول)، ونشر العمل بها.