الفساد (54) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (6-6)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن أوضح مظاهر الفساد في العملية التعليمية في مصر ما نراه مِن ازدواجية في الإنفاق على التعليم في كل مراحله المختلفة في الوقت الذي لا يُثمر هذا الإنفاق بالثمار المرجوة.
ونعني بالازدواجية في الإنفاق:
1- ما تنفقه الدولة على التعليم الرسمي ما قبل الجامعي والجامعي، ومع الٌتسليم بأن ما تنفقه الدولة على التعليم لا يتناسب مع أهمية التعليم ودوره، ولا يتمشى مع ما ينفق على التعليم في دول العالم المتقدمة، بل وكثير من الدول الأخرى النامية، لكن نؤكِّد على أن العائد مِن العملية التعليمية عندنا لا يتناسب مطلقًا مع الإمكانيات المتاحة وما ينفق فعليًّا على التعليم؛ إذ إن العائد أقل بكثيرٍ مما يقدم للعملية التعليمية من إنفاق وجهود، والأسباب معروفة، وتدخل في جملة صور الفساد مِن باب إهدار الأموال العامة، وسوء التخطيط، وعدم مراعاة الأولويات، وغياب الرؤى... إلى آخره، وقد تعرضنا لجوانب منها من قبل.
2- ما تنفقه الأسر وأولياء الأمور على أبنائهم من خلال شراء الكتب الخارجية والدروس الخصوصية والكورسات في العديد من الكليات الجامعية والمعاهد العليا، وهو إنفاق يفوق كل توقع وتتحمل الأسر أعباءه الكبيرة؛ حرصًا على ما يرون فيه مصلحة أبنائهم ومستقبلهم، ومحاولة منهم لتخطي التقصير الرهيب في العملية التعليمية، وإن كانت هذه الجهود وهذا الإنفاق من هذه الأسر هو أيضًا يصب في نهايته في غير مصلحة العملية التعليمية، ليزداد الأمر سوءًا على سوء، وبمشاركة الجميع.
أداء أولياء الأمور:
أداء المصريين تجاه تعليم أبنائهم أداءً ارتجاليًّا اجتهاديًّا؛ كالحرص على إدخال الأبناء المدارس غير الحكومية، بدءًا مِن المدارس الأجنبية والخاصة والتجريبية، والمفهوم السائد: أنه كلما زادت مصروفات المدرسة كانت المدرسة أفضل، مع الاهتمام بالمدارس التي يُتقن فيها الطالب اللغة الإنجليزية، ولو على حساب اللغة العربية وإهمالها.
والنتيجة: أنه لا اختيار للمدرسة، بل المدرسة مفروضة على الأسرة والأبناء بحسب الواقع الاقتصادي للأسرة، وبتعبير آخر: المدرسة التي يلتحق بها الطالب تدل على حالة أسرته الاقتصادية، وبالطبع يعاني الكثير من المصريين من إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة التي تفوق قدراتهم الاقتصادية رغبة في الوجاهة الاجتماعية، أو طمعًا في فرصة تعليم يظنون أنها الأفضل.
الكتب الخارجية:
يأتي شراء الكتب الخارجية في كل المواد الدراسية في كل المراحل التعليمية في الأولوية عند أولياء الأمور؛ لأن الثقافة السائدة هي أن كتاب الوزارة لا يحتوي على الشرح الكافي والأمثلة الوافية، وأنه غير صالح للاستخدام! وذلك رغم تكلفته العالية التي تتكبدها وزارة التربية والتعليم سنويًّا في طباعته.
إن كتاب الوزارة يتم وضعه على أساس وجود مدرس في الفصل سيقوم بشرحه، بينما الكتاب الخارجي فيعتمد على عملية تلقين قوية تغطي جميع الأسئلة التي يمكن أن تحتويها الموضوعات؛ مما يسهِّل على التلميذ إجابة معظم الأسئلة، وجمع الدرجات المطلوبة ولو بدون فهم كامل للمنهج؛ ولأن هذه العملية ثبت نجاحها تجد أولياء الأمور يسارعون في اقتناء كل ما تصل إليه أيدهم من كتب خارجية للشرح والمراجعة، والتدريب على حل أسئلة الامتحانات العديدة المتوقعة حتى ولو لم يطلب الابن أو الابنة ذلك، بل ولو لم يستطع أن يقرأها كلها.
الدروس الخصوصية:
لا يتوقف أولياء الأمور عند كل ما سبق؛ إذ يخشى ولي الأمر أن يكون الابن ما زال متعثرًا في العملية التعليمية، وبالتالي لا يحصل على الدرجات الملائمة فيسارع إلى المخرج من ذلك باستئجار مدرس لكل مادة مهمة ليقوم بشرحها الشرح المطلوب خارج المدرسة، ومِن جديد للطالب، بل ربما استأجر البعض أكثر من مدرس لتلقين مادة بعينها يراها ولي الأمر مهمة للطالب.
(وفي النهاية: تتحول عملية التعليم إلى استنزاف لموارد الأسرة دونما أية نتيجة، ودونما أي اعتراض أو محاولة لتغيير هذا الواقع) (راجع: كيف يمكن أن تصبح مصر دولة عظمى، ص77 - 81 بتصرفٍ) .
فقه الأولويات وترشيد الإنفاق والابتكار:
لا تتوقف المشكلة على قلة الإمكانيات المتاحة للتعليم في دولة فقيرة تحتاج إلى الإنفاق والإدارة لعملية تعليمية تضم سنويًّا 20 مليون تلميذ وطالب، بل يزيد الأمر خطورة وجوب توفير فقه أولويات، والحاجة إلى الترشيد في الإنفاق، (ولن يتسنى لك ذلك؛ إلا إذا كان لديك تنظيم جيد لأولويات إنجاز العمل، وبالتالي فإن غياب هذه الأولويات مع نقص الإمكانيات سوف يؤدي إلى فشل في إنجاز العمل).
إن (إدارة التعليم في وزارة ملتحق بها قرابة 20 مليون طالب مع وجود بعض الشح في الإمكانات؛ فلا بد أن تكون مبتكرًا ومجددًا كي تنجح في إنجاز مهمتك على الوجه الأكمل)، ولا تكون مجرد ناقل عن الغير أو مجرد مقلِّد له (المصدر السابق، ص 83 بتصرفٍ) .
أهمية الجودة والاعتماد:
تهدف الهيئة القومية لضمان الجودة والاعتماد التي قامت بالقانون رقم 82 لعام 2006م وما سبقه من أنشطة قومية تأهيلية للمجتمع التعليمي، ومنها المعايير القومية للتعليم الصادرة عنها - إلى ضمان جودة المدارس المصرية ثم اعتماد المدارس المتقدمة للاعتماد، ولكن هناك نظرة مختزلة من البعض: أن الجودة في المدارس (تستيف ورق!)، وهي نظرة تجافي الصواب، وتعوق عمل الهيئة في الواقع.
والأمر يستلزم:
- تحقيق الاستقلالية الفعلية للهيئة كجهاز رقابي داعم للتعليم.
- قيام الهيئة بتقديم تقرير دوري عن حالة التعليم في مصر يبيِّن جوانب الضعف والقصور والمعوقات، ومتطلبات التصحيح والتطوير.
- بث ثقافة الجودة بشكلٍ ميدانيٍ يشترك فيه قاعدة عريضة من المعلمين المؤمنين بأن الجودة ضرورة من ضروريات نجاحهم (راجع: التعليم والمجتمع، ص 38 - 39 بتصرفٍ) .
الإنفاق العائلي على التعليم:
يوجد نوعين من الإنفاق العائلي على التعليم في مصر: