شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (58) التعليم الأساسي وقبله هو البداية (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتعد مرحلة رياض الأطفال ومرحلة التعليم الأساسي الأجدر بالأولوية في البدء في إصلاح التعليم في مصر دون الإخلال بشمولية تناول الإصلاح مراحل التعليم ككل.

وتشير تجارب الدول التي قطعت شوطًا في الاعتناء برياض الأطفال والتعليم قبل الابتدائي -كما في جنوب إفريقية وبيرو- إلى أن العقبة الرئيسية التي واجهت هذا الإصلاح هي ضعف التنسيق بين المؤسسات ذات الصلة بتعليم الصغار؛ وعليه فالمدخل الناجح نحو الإصلاح يكمن في التنسيق والتكامل بين المؤسسات المعنية برعاية الصغار وتعليمهم، وفي مقدمة تلك المؤسسات: الأسرة ومعلمو رياض الأطفال، وهو تنسيق لا يحتاج إلى تمويل، وإنما يحتاج إلى تفاهم وتعاون وتكامل في الأدوار.

دور المربين في تنشئة الأطفال:

إن دور الوالدين في تهيئة أطفالهما للتعليم لا يعطي نتائجه المرجوة دون قيام المعلمين المربين بدورهم؛ إذ إن مفتاح نجاح إصلاح التعليم مرتبط بتوفير معلمين محترفين تم إعدادهم وتأهيلهم بعناية فائقة.

إن معلمي رياض الأطفال ومعلمي التعليم الأساسي لهم دورهم الكبير في تنشئة الأطفال الاجتماعية من خلال الإسهام في إكساب التلاميذ القيم الإنسانية، وتزويدهم بخبرات ومهارات التعلم الذاتي، بما يجعلهم فعالين في المجتمع.

وهذه المهارات تحتاج إلى التطوير باستمرار؛ لتعويد الطفل على الاستجابة المرنة للمستجدات والتلاؤم والتكيف معها، وهذا أهم ما يجب أن يتعلمه التلميذ من خبرات أستاذه، وللأسف فإن إعداد المعلم في بلادنا يواجه أزمة أسبابها عديدة، من أهمها: تدني مكانة المعلم الاقتصادية والاجتماعية، وافتقاد برامج إعداده للجدية والتكامل، كما أن النظم التربوية عندنا لا تواكب متغيرات العصر، فما زالت نظرة الكثير مِن مدارسنا لنظم التربية تتبع نفس نظرة الجيل الماضي لها.

يقول د. عبد المنعم شحاتة: (ولا يقتصر هذا الأمر على التعليم الأساسي، بل يعد ضرورة قصوى في التعليم ما قبل الابتدائي (رياض الأطفال)، فالتغيير المتسارع في المعلومات يتطلب تعلم إستراتيجيات جديدة لاكتساب المعرفة خلال كل مراحل الحياة، ويعد التعلم المنظم ذاتيًّا على رأس قائمة هذه الإستراتيجيات التي يجب أن يتعلمها الطفل في مرحلة رياض الأطفال، هنا يأتي دور معلم رياض الأطفال بوصفه قدوة يمارس تعلمًا منظمًا ذاتيًّا فيحتذي به الأطفال.

ويقصد بالتعلم المنظم ذاتيًّا تعلم كيف نتعلم وكيف ننظم ما تعلمناه حتى نستطيع التغلب على مشكلات التعلم وعقباته، وفي هذا السياق تصبح علاقة طفل الروضة بمعلمه مهمة جدًّا لارتقائه المعرفي والانفعالي والاجتماعي، فباستطاعة هذه العلاقة أن تكون عامل وقاية للطفل يضعف المردود الارتقائي السلبي لخبرات رعاية غير آمنة ويقلل سلوكه العدواني، وتجعل المربي أكثر حساسية لتفهم حاجات الطفل، معنى ما سبق أهمية علاقة مدرس الروضة بأطفالها كأساس لنجاح العملية التربوية، ليس هذا فحسب، بل خلال كل المراحل التعليمية اللاحقة.

وهناك ثلاثة أنماط لعلاقة مدرس الروضة بأطفالها:

نمط حميم: يمثِّل أعلى درجات الدفء والمساندة نتيجة له يصبح الأطفال أكثر ميلًا للبحث عن مساعدة ملائمة لمدرسهم، وأكثر استجابة لطلباته، وبالتالي يكونون متعاونين في الفصل، وترتبط هذه العلاقة بكل مَن سلوك بناءً أكثر وأعلى درجات الكفاءة الاجتماعية، وأدنى مستوى لميول عدواني وفوضوية، وانسحاب اجتماعي أقل.

نمط صراعي: تميزه تفاعلات عدائية يغلب عليها الجدل وينقصها الدفء فيتحدى الطفل آراء معلمه ويتصرف بشكل لا تعاوني، ويرتبط هذا النمط بكل مَن مردود اجتماعي انفعالي سلبي ومشكلات سلوكية كالعدوان وفرط النشاط، وإحداث فوضى في الفصل.

نمط اعتمادي: حيث يميل الطفل للتصرف بسلبية نحو مدرسه لاجئًا إليه حتى يحل مشكلات الطفل الانفعالية الاجتماعية والدراسية مفضلًا التفاعل معه، وليس مع الأقران، وينتج عن هذا النمط طفلًا منسحبًا اجتماعيًّا منخفض الكفاءة يعاني الشعور بالوحدة والقلق.

ويعد النمط الأول (الحميم) هو المعبِّر عن علاقة إيجابية بين الطفل ومعلمه، أما النمطين: الصراعي والاعتمادي فيمثِّلان العلاقة السلبية، وبالطبع تعكس علاقة الطفل بمدرسه العلاقة بين والديه والمدرس، ومن ثَمَّ حتى نؤسس علاقة حميمة بين الطفل ومدرسه يجب تكوينها أولًا، واستمرارها ثانيًا بين الوالدين والمدرس.

ومن الصعب أن يعامل المدرس كل طفل في الفصل المدرسي بإستراتيجية (أي خطة تعلم تؤدي إلى غياب مشكلة تعليمية أو على الأقل تحد من تفاقمها) خاصة بهذا الطفل وفي موقف بعينه؛ إلا أنه باستطاعة المدرس جعل موقف التعلم مثيرًا للاستمتاع بوجه عام، ولكل الأطفال بواسطة مساندتهم وتشجيعهم وإثارة روح التحدي لديهم حتى يتعلموا بأنفسهم ما يناسب الموقف، كما يمكنه على الأقل تفهم رؤية الوالدين.

وإذا كان الوالدان قد تجاهلا كون طفلهما مختلفًا، فعلى المدرس أن يكتشف ذلك سريعًا ثم يطلب من إدارة الروضة، إما إحالة الطفل إلى استشاري أو تخصيص، فصل لكل مجموعة يشتركون في الصعوبة نفسها أو في مؤشر معين للصعوبة، ليقوم مدرس مؤهل بالتعامل مع ذوي هذه الصعوبة بتعليم هؤلاء الأطفال (راجع مقالة: إصلاح التعليم: أي النقاط أولى بالبدء؟ د. عبد المنعم شحاتة - مجلة الفكر المعاصر - أكتوبر/ ديسمبر2017 م، ص: 32 - 33) .

ويضيف د. عبد المنعم شحاتة: (يضاف إلى ما سبق: أن يكون المعلم القائم بالتدريس لهذه المرحلة متسمًا بخصال متفردة تجعله قادرًا على تقبل كل الأطفال، مَرنًا في التواصل معهم حساسًا لاحتياجاتهم ومؤهلًا للتصرف بشكل إبداعي، فيقوم بتصميم مواقف لعب تجذب الأطفال للتعاون في أدائها والتعلم من خلالها، وبإمكانه تعديل هذه المواقف وتغيير أهدافها من يوم لآخر) (المرجع السابق، ص 34) .

عظم مسئولية التعليم الأساسي:

الصفحة التالية