شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أخلاق المسلم في الأزمات

حسن حسونة • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، بل هي تتقلب بين الرخاء والشدة، والغني والفقر، والرفع والخفض، والأزمة والعافية، قال الله -تعالى-: ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (الرحمن:29) . قال عبيد بن عمير: "يفك عانيًا، ويشفي سقيمًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا".

وقال -تعالى-: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) (آل عمران:140) ، وهكذا الحال في دنيا الناس يوم نعيم ويوم شقاء.

والمتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى ذلك، فمثلًا يحتز النبي -صلى الله عليه وسلم- من شاة مشوية بالسكين ويدع السكين، ويقوم للصلاة لما حضرت، ويضيفه أبو الهيثم بن التيهان ويقدم له الطعام والشراب هو وأبو بكر وعمر، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ ) (رواه مسلم والترمذي واللفظ له) ، وفي أحوال أخرى: يربط على بطنه الشريف -صلى الله عليه وسلم- حجرًا من الجوع، ويمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نارًا للطعام، وحياتهم على الأسودين: التمر والماء، كما أخبرت أمنا عائشة -رضي الله عنها-.

وكذلك أصحابه الكرام مزقة اللبن لأحدهم في وقتٍ مِن الأوقات كانت أحب إليهم من كل شيء، ولا يجد أحدهم الطعام إلا ورق الشجر، فيضع كما تضع الشاة!

وفي وقت آخر كانوا يقتسمون المال بالفؤوس، قال خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَبِيلِ اللهِ، نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ، خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ، خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ )، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهْوَ يَهْدِبُهَا. (متفق عليه) ، وهكذا الأمر، فالدنيا لا تبقى على حالٍ.

ولا شك أن العالم كله يمر بأزمة كبيرة في هذه الأيام بسبب فيروس كورونا؛ هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة، لكنه أرعب العالم، وأظهر قدرة القدير الباقي، وضعف البشر وعجزهم على مقاومة فيروس صغير على ما أوتوا من العلم، فالكل حائر عاجز، وخائف وجل؛ لما يشاهده ويسمعه، وقد أجلس هذا الفيروس الناس في بيوتهم إكراهًا؛ فشل الطرق والمواصلات، وأفسد التجارات، والاقتصاد العالمي، والناس تائهون، لا يدرون ماذا يصنعون؟ وما يعلم جنود ربك إلا هو.

وديننا شامل كامل؛ في عقيدته وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، والمسلم متعبد لله في كل وقتٍ، متخلق بأخلاق دينه؛ لأنه ممتثل لأوامره -سبحانه- في حال الرخاء، وفي الشدة والأزمة، وفي السعة؛ لأنه محقق لقوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) .

وفي وقت الأزمات هناك أخلاق ينبغي أن نذكِّر بها:

أولها: معلوم أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة؛ فتجديد التوبة والأوبة، والندم والرجوع إلى الله، خُلُق أولي لرفع الأزمة؛ التوبة من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الظلم إلى العدل، ومن المعصية إلى الطاعة، وقد ضرب الله المثل بقرية يونس -عليه السلام- لما آمنوا جميعًا فكشف الله عنهم الأزمة في وقتٍ واحدٍ، فهذه دعوة لتجديد التوبة والمداومة عليها.

ثانيًا: التضرع إلى الله واللجوء له، فهو الذي يكشف الضر ويجيب دعوة المضطر: ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) (الأنعام:43) ، ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر:60) .

ثالثًا: تعلق القلب بالله والثقة به، بأنه هو النافع الضار، الرافع الخافض، المعز المذل؛ أذل هؤلاء القياصرة الجبابرة بجندي صغير ضعيف مِن عنده، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فتؤمن بقدر الله وقضائه، وتسلم أمرك له، وتفوض له أمرك، ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) (غافر:44) ، مع كمال الأخذ بالأسباب من الاحتياطات اللازمة لذلك.

رابعًا: الفأل وعدم الطيرة -أي: التشاؤم- فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب الفأل ولو بالكلمة، ويكره التشاؤم، ويقول: ( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ) ثَلَاثًا. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، فتفاءل بالخير، وانقل الأخبار التي تحمل التفاؤل لعباد الله ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح:5-6) .

خامسًا: بشِّر ولا تنفر، ويسر ولا تعسر، منهج نبوي رشيد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسي ولمعاذ -رضي الله عنهما- لما أرسلهما إلى اليمن: ( يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا ) (متفق عليه) .

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشد الأزمات يبشِّر أصحابه بالفرج، وإزاحة الغمة، ولما اشتد عليه الأمر في غزوة الأحزاب وكان الوصف كما وصف الله: ( وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) (الأحزاب:10) ، إذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يبشرهم بفتح روم وفارس؛ فبشِّر ولا تنفر، ولا تنقل أخبارًا إلا إذا كنت متأكدًا منها، وفيها نفع ومصلحة للمسلمين، وإلا أصبحتَ مروجًا للإشاعات التي تهدم ولا تبني، وتقتل ولا تحيي.

الصفحة التالية