الفساد (59) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان الاندفاع نحو التعليم على النهج الأوروبي منذ عهد "محمد علي" إلى اليوم وراء البُعد عن التعليم على النهج الإسلامي الذي عاشت في ركابه الأمة ولقرونٍ عديدةٍ؛ مما تسبب في فقد الأمة الكثير مِن هويتها وسمتها العربية الإسلامية في التعليم، وبالتالي تحولها شيئًا فشيئًا إلى مزيدٍ من التبني للتعليم على النهج الأجنبي العلماني. ولا شك أن لكل نهج مِن التعليم أثره في المتعلمين، ينعكس على فكرهم وتربيتهم وثقافتهم وأساليب حياتهم.
وقد يتعجب البعض من سماع مصطلح: (التعليم الإسلامي)، وكأن الإسلام ليس له نهجه الخاص في التعليم والذي يختلف في الغاية والمضمون عن التعليم الغربي، والذي فقدت الأمة الكثير والكثير نتيجة ابتعادها عنه، وأصبحنا في أشد الحاجة لاستعادة ما فقدناه. إن لنهج التعليم دوره الفعال في تشكيل الأمة وصناعتها أفرادا وجماعات، ولم يكن الإسلام بمعزل عن هذا الأمر المهم؛ إذ للإسلام توجهاته التي تجعل من التعليم أداة ووسيلة لنفع المسلمين أولًا وللبشرية كلها ثانيًا، وهو ما شهدته البشرية وعرفته في ظل ازدهار الحضارة الإسلامية وقيادتها للعالم لقرونٍ عديدةٍ.
ثم جاءت قرون الضعف بالتخلي عن منهج الله -تعالى-، وبالابتعاد عن الإسلام ليعاني المسلمون من التراجع والتخلف، وفي غفلة استبدل المسلمون التعليم على النهج الغربي -الذي هو أدنى- بالذي هو خير -وهو التعليم على النهج الإسلامي-، فلم يزدهم ذلك إلا مزيدًا مِن التخلف والضياع، وهم يظنون ويتوهمون أنهم يحسنون صنعًا! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وللأستاذ الدكتور طلعت محمد عفيفي -وهو وزير سابق لوزارة الأوقاف المصرية- رسالة قيمة بعنوان: (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام) تم طبعها ونشرها من قبل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية في منتصف شهر ذي القعدة عام 1433 هـ - الموافق شهر أكتوبر عام 2012م ضمن سلسلة (دراسات إسلامية - العدد 208)، وهي التي سنعول على ما ذكره فيها من مقارنة بين التعليم في ضوء الإسلام والتعليم المأخوذ من الحضارة الغربية الحالية.
مكانة العلم في الإسلام:
(لا يوجد دين أشاد بالعلم ورفع من قدره وأعلى من منزلته مثل الدين الإسلامي، ويتضح ذلك جليًّا من خلال النصوص الكثيرة التي وردت في كتاب الله -تعالى-)، (حتى إن كلمة (علم) وحدها وردت بتصريفاتها المختلفة في عددٍ مِن آيات القرآن يقترب من التسعمائة آية)، إلى جانب ما ورد في (سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال السلف الصالح، والتي يضيق المجال عن استيعابها والإحاطة الشاملة بجميعها، في الوقت الذي نرى فيه أسفار العهد القديم والجديد خالية عن الكلام عن العلم والنظر، والفكر والبرهان، أو ما اشتق منها أو تفرع عنها) (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، ص 13 - 16 بتصرف) .
اقرأ أول نداء في الإسلام:
جاء الأمر بالقراءة ليكون أول أمر في الإسلام، وأول ما يبدأ به الوحي من السماء، وتلاه ما يسمو بقيمة العلم ويشيد بالقلم، حيث قال -تعالى-: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ .عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق:1-5) .
(وفي كون الوحي الأول يبدأ بكلمة: ( اقْرَأْ ) ولم يبدأ بقوله: (اعبد) أو (صلِّ)، وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي نزل عليه القرآن أميًّا، والبيئة التي نشأ فيها بيئة أمية، لا يعرف القلم فيها إلا القليل؛ كل ذلك يؤكد على اهتمام هذا الدين بالعلم، ولفت الأنظار إلى مكانته ومنزلته فيه) (المصدر السابق، ص 14) .
القرآن يشيد بالقلم وبالكتابة:
أداة العلم هي القلم الذي يكتب به، والمداد الذي يستخدم في الكتابة، ومادة يكتب عليها، وقد أقسم الله -تعالى- بكل هذه الأشياء تنويها بشأنها وإعلاء لقدرها، بل سميت سورة من سور القرآن الكريم بـ(سورة القلم)، وقد أقسم الله -تعالى- في صدرها بالقلم، قال -تعالى-: ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) (القلم:1) ، وقال -تعالى-: ( وَالطُّورِ . وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) (الطور:1-3) .
الامتنان على الإنسان بالعلم:
ميَّز الله -تعالى- الإنسان بعقل يتعلم به، وبين -تعالى- أنه فضَّل الإنسان بما علمه، وهذا ظاهر في كتاب الله -تعالى- ففي سورة الرحمن التي تضمنت الكثير من نعم الله -تعالى- على عباده، بدأ الله -تعالى- السورة بقوله: ( الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ .خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) (الرحمن:1-4) .
(ويلاحظ أن كلمة: ( عَلَّمَ ) وردت مرتين في آيتين متقاربتين، وذكر بين الآيتين خلق الإنسان، وفي ذلك ما يفيد أن من أهم ما كلف به الإنسان وميزه به خالقه نعمة العلم.
ويؤيد ذلك: ما جاء في قصة خلق آدم -عليه السلام- في سورة البقرة، وذلك في قوله -تعالى-: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (البقرة:31-33) .
والقصة تدل على أن الله -سبحانه وتعالى- ميَّز آدم على مَن سواه من المخلوقات بميزات ليست في غيره، ولما اقتضى الأمر إظهار هذه الميزات لبيان فضل آدم وشرفه، واستحقاقه للخلافة في الأرض؛ أظهر الله لهم أحسن ما فيه وهو العلم، فدل ذلك على أن أهم ما يميز الإنسان ويعلي قدره إنما هو العلم، وفي هذا دليل -يضاف إلى ما سبق- على احتفاء الإسلام بالعلم وإعلاء شأنه ومنزلته) (المصدر السابق، ص 15 -16) .
طلب العلم جهاد في سبيل الله: