الفساد (59) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لقد بلغ اعتناء الإسلام بطلب العلم أن جعله بمنزلة الجهاد في سبيل الله -تعالى-، والجهاد ذروة سنام الإسلام، ولن تجد في أي حضارة من الحضارات البشرية مثل هذا التقدير حثًّا على طلب العلم ورفعًا لمنزلته، ففي حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- المرفوع: ( مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، كَانَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ ) (رواه الترمذي وحسنه (5/29) - كتاب العلم - باب: فضل طلب العلم، وقال الألباني: حسن لغيره) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: (إنما جعل طلب العلم من سبيل الله؛ لأن به قوام الإسلام كما أن قوامه بالجهاد، فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير، والثاني الجهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه) (انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم - نشر مكتبة الفاروق الحديثة: 1 /70) .
قال د. طلعت محمد عفيفي منوهًا بتسوية الشرع طلب العلم بالجهاد في سبيل الله -تعالى-، وكونه من باب تقديم العلم على العمل، وأن العلم يقود العمل: (ولئن كانت للجهاد فضيلته التي لا تخفى على أحدٍ، فإن الإنسان بواسطة العلم يمكنه أن يستخدم هذا الجهاد استخدامًا صحيحًا، فلا يحمل سلاحه على مسلم، ولا يخلط بين ما هو مشروع وما هو ممنوع، وما هو واجب وما هو مسنون، وعليه فالعلم سياج الجهاد، به يتحرى الإنسان الصواب، ويحصل عليه من الله الأجر والثواب؛ ولأجل هذا جاء القرآن الكريم آمرًا بطلب العلم بوصف النفرة) والنفرة تكون مع الجهاد (وذلك في قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (التوبة:122) .
وذلك يجعل العلم والجهاد في موقعٍ واحدٍ، كما أن سياق الآية -وقد سبقها ولحقها حديث عن الخروج لجهاد الأعداء- يضع الاهتمام بالإعداد العلمي للمسلمين على قدم المساواة مع الإعداد العسكري؛ ولذا قال الصحابي الجليل أبو الدرداء -رضي الله عنه-: (من رأى أن الغدو في طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله). (نقلًا عن إحياء علوم الدين للغزالي - ط. دار الشعب 1/16، انتهى كلام د. طلعت عفيفي) .
اهتمام سلف الأمة البالغ بالعلم:
تشهد المصنفات التي كتبها سلف الأمة جيلًا بعد جيل عبر قرون عديدة على مدى اهتمام الأمة بالعلم وطلبه؛ إذ إن أكثر مصنفات العلماء لا تخلو من التأكيد على فضل العلم والتعليم، سواء في مقدمات الكتب أو في فصوله الأولى: كالبخاري في صحيحه، والدارمي في سننه، والنووي في (المجموع)، والغزالي في (إحياء علوم الدين) وغيرهم كثير، بل منهم مَن خصص المصنف الكامل عن فضل العلم والتعليم، ومِن أشهر هؤلاء الإمام ابن عبد البر في كتابه القيم: (جامع بيان العلم وفضله)، (ولو أريد جمع ما ألف من كتب ورسائل في العلم وآدابه ومسائله بأيدي علماء الإسلام لتكونت لدينا مكتبة مستقلة) (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام: 20) .
وورد عن علماء الأمة في ذلك أقوالا كثيرة جدًّا، كقول أبي الدرداء: (العالم والمتعلم شريكان في الخير، وسائر الناس همج لا خير فيهم)، وقول معاذ بن جبل: (تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين)، وقول الحسن البصري: (لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم)، وقول الشافعي: (ما تقرب إلى الله -تعالى- بشيء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم)، وقوله أيضًا: (طلب العلم أفضل من صلاة النافلة).
المسلمون سادوا العالم بالعلم:
لم تكن نظرة المسلمين للعلم المستمدة من الشرع كلامًا بلا عمل، بل تحول المسلمون بتطبيق ما حثهم عليه الإسلام تحولًا كبيرًا، فـ(أثمر تشجيع الإسلام للعلم وحثه عليه ثمرته المرجوة، فبرز المسلمون في شتى العلوم، وتفوقوا في جميع المجالات، ولمعت أسماء العلماء في فروع المعرفة كافة، مِن: فقه، ولغة، وتفسير، وطب، وفلك، ورياضيات، وغير ذلك، مما كان له الأثر في التمكين لحضارات الشعوب التي تلت ظهور الإسلام، بما فيهم شعوب أوروبا في نهضتها المعاصرة، وذلك باعتراف الأوروبيين أنفسهم.
قال (مارتن بلسنر): (لا يكاد يوجد شيء من جهود المسلمين في ميدان العلوم لم يتأثر به الغرب بطريق أو بآخر) (نقلًا عن: قالوا عن الإسلام، د. عماد الدين خليل - ط. الندوة العالمية للشباب الإسلامي الأولى 1992م، ص 344) .
وقال (سيديو): (إنه تكونت فيما بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر (يعني الميلادي وهي عصور الظلام والتخلف في أوروبا) مجموعة من أكبر المعارف في التاريخ، وظهرت منتوجات ومصنوعات متعددة، واختراعات ثمينة تشهد بالنشاط الذهني المدهش في هذا العصر، وجميع ذلك تأثرت به أوروبا، بحيث يؤكد القول بأن العرب كانوا أساتذتها في جميع فروع المعرفة) (نقلًا عن: حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي، لجلال مظهر - نشر مكتبة الخانجي – القاهرة، ص 19) .
وقال (ول ديورانت) في كتابه: (قصة الحضارة): (وجملة القول: إن ابن سينا أعظم مَن كتب في الطب في العصور الوسطى، وأن الرازي أعظم أطبائها، والبيروني أعظم الجغرافيين فيها، وابن الهيثم أعظم علمائها في البصريات، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين فيها... ولما أن أعلن روجر بيكون هذا الطريقة في أوروبا -يعني المنهج التجريبي- بعد أن أعلنها جابر - يعني ابن حيان- بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس، وليس هذا الضياء نفسه إلا قبسًا من نور المسلمين في المشرق) (قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران ط. جامعة الدول العربية: ج 13 / 196) (راجع: مدخل إلى التعليم، ص 31 - 33) .
وما ذكر هنا قطرة من بحر، وللاستزادة في معرفة ما كان عليه المسلمون من العلم وتعليمه، وأثرهم الكبير في تقدم البشرية ككل، راجع في ذلك على سبيل المثال: