شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (59) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (1-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

- (أثر العرب في الحضارة الأوروبية): لعباس محمود العقاد.

- (تاريخ التراث العربي) لفؤاد سزكين.

- (حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي) لجلال مظهر.

الإسلام يهتم بالعلوم الكونية:

لم يدع الإسلام بابًا من أبواب العلم فيه منفعة للناس إلا وشجَّع على ارتياده، فاقتحم المسلمون مجالات متنوعة وعلوم مختلفة قد يظن البعض أن الإسلام لا علاقة له بها، والسبب وراء دخولهم فيها وإحاطتهم بها أن إسلامهم عد هذه المجالات والعلوم من فروض الكفايات التي يجب أن تلم بها الأمة ككل،

ويأبى الإسلام أن يكون المسلمين فيها عالة على غيرهم، فأحاط المسلمون بكل علوم عصرهم الدنيوية واستوعبوها، ثم طوروها وخطوا بها للأمام خطوات كبيرة، جعلتهم قبلة العلم والعلماء لقرون عديدة في كل أنواع المعارف ومختلف الفنون النظرية والعملية.

(ولأن الإسلام دين يوازن بين الروح والمادة، وبين الدنيا والآخرة لم يشعر المسلمون بأي تناقض بين التفوق في العلوم الكونية للمساهمة في قوة المسلمين وبين تطلعاتهم الروحية؛ وذلك لأن جهودهم المادية تتحول إلى عبادة عندما يكون الهدف منها العمل على إعلاء كلمة الله، ونشر التوحيد في أرجاء الأرض) (المدخل إلى التعليم، ص 38) .

غاية العلم في الإسلام عبادة الله -تعالى-:

قال د. طلعت محمد عفيفي مبينًا الغاية من التعليم في الإسلام: (لكن الإسلام الذي أعلى من شأن العلم على النحو الذي سبق بيانه لم ينظر إليه على أنه مجرد تحصيل المعارف، وحشو الأذهان بها دون نظرٍ إلى ما يترتب عليها من نتائج وآثار، بل يرى ليكون هذا العلم نافعًا ضرورة أن يتحرك في الإطار الذي يعين الناس على معرفتهم بخالقهم ويوثق صلتهم به، باعتبار أن الغاية التي لأجلها خلقوا هي عبادة الله -تعالى- كما قال ربنا: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، وهذه الغاية يتبناها العلم بشتى أنواعه وفروعه، سواء كانت علومًا شرعية أو لغوية أو كونية رياضية، أو غير ذلك من أنواع العلوم.

وفي القرآن الكريم إشارات عدة إلى ضرورة أن يتبنى العلم هذا المنهج، ونختار من هذه الإشارات ما يلي:

أ- يقول الله -تعالى-: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (العلق:1) ، والشاهد أنه -سبحانه وتعالى- لم يقل: ( اقْرَأْ ) وفقط، فليس المراد مجرد القراءة، كما أن القراءة ينبغي أن تكون باسم الله، وليست باسم حاكم أو عظيم، وليست باسم وطن أو جنسية أو طبقة، بل هي باسم الله الذي خلق.

وفي ذلك إشارة إلى أن العلم ينبغي أن يعتمد على ما يرضي الله ويقرب منه؛ لأنه -سبحانه- صاحب الفضل في الخلق، ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) (العلق:2) ، وهو أيضًا صاحب الفضل في العلم: ( عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق:5) .

ب- قول الله -تعالى-: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) .

والشاهد أن الله -سبحانه وتعالى- بيَّن لنا أن وظيفة الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لم تقتصر على التعليم المجرد، وإنما جمعت بينه وبين التزكية للنفوس وتطهير القلوب، ونحن مأمورون بنص القرآن الكريم أن نقتفي أثر النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، كل مَن في مكانه، مصداقًا لقول الحق -عز وجل-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .

ج- مدح الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم صنفًا من العلماء وذم صنفًا آخر، وكان ذلك تبعًا لانتفاعهم بالعلم في صلتهم بخالقهم من عدمه: فمن قبيل الأول قول الله -تعالى-: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (المجادلة:11) ، والشاهد أن الله -تعالى- مدحهم ورفع درجاتهم حين جمعوا بين الإيمان والعلم.

ومن هذا القبيل أيضًا قوله -تعالى-: ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الحج:54) ، والشاهد أن الله أثنى على أهل العلم الذين يوقنون بصدق ما جاءهم عن الله من وحي، وتخشع له قلوبهم وتلين له جلودهم، واستعملت (الفاء) الدالة على الترتيب والتعقيب، علامة على التلازم بين هذه الأشياء دون فاصل زمني.

ومن قبيل الثاني قول الله -تعالى-: ( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) (النجم:29-30) ، ومنه أيضا: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) (الروم:7) ، والشاهد في الآيتين أن الله -تعالى- ذم الكافرين رغم علمهم؛ لأنه لم يدلهم على الله، ولم يوثق صلتهم بخالقهم.

وفي العالَم الذي نعيش فيه أدلة كثيرة تؤيد هذه الحقيقة؛ فكم مِن علماء علا بين الناس ذكرهم، فتتوا الذرة وملأوا المعامل بالتجارب، ورأوا أدق الأشياء في الأفاق والأعماق، ثم خرجوا من هذا كله بالكفر والإلحاد؛ ولذا عاد علمهم على الدنيا بالخراب والدمار، ووقع الناس منهم في كرب وبلاء!

والسبب في ذلك: أن علمهم كان مبتوت الصلة بالإيمان بالله، ووقفوا به عند ظواهر الأشياء.

وفي ضوء ما تقدم ذكره يتضح لنا: أن غاية العلم في الإسلام -أيًّا كان نوع هذا العلم- هي تعريف الناس بالله، وتوثيق صلتهم به، وإلا كان علمًا غير نافع، وحجة على صاحبه يوم القيامة) (انتهى كلام د. طلعت عفيفي، المصدر السابق، ص 38 - 42) ، وقد نقلناه على طوله لنفاسته.

الصفحة السابقة