شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حول المسعى الجديد

الشيخ ياسر برهامي • المسلمون حول العالم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن عبادةَ الحج والعمرة عبادة ضرورية لصلاح قلب كل مسلم ومسلمة استطاع السبيل إلى بيت الله الحرام، ولا يقوم غيرهما مقامهما في تحصيل الهداية والنور والصلاح؛ ولذا جعلهما الله -سبحانه- فريضة على عباده، قال الله -عز وجل-: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران:97 )، وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عبادة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، ولا بد أن يحرص كل مسلم على تأدية هذه المناسك كما شرعها الله.

والأماكن التي جعلها الله منسكًا لها خصوصية في تحصيل التزكية لا تحصل بغيرها، ولو تأملنا دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وهما يبنيان البيت: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (البقرة:127-129) ؛ لوجدنا أن دعوة: ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) وسط أعظم الضرورات الدينية والأخروية من القبول عند الله وتحقيق الإسلام لهما ولذريتهما، والتوبة وبعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلو لم تكن معرفة المناسك ضرورة من الضرورات؛ لما كان هذا موقعها وسط هذه الدعوات والمطالب الشريفة.

ووسط الخلافات المعاصرة حول مشروع توسعة المسعى والسعي في المسعى الجديد حيث لا يمكن للمعتمر -الآن- إلا أن يسعى في المسعى الجديد، ولربما ما تمكَّن أحد من السعي إلا فيه؛ لو جعل المسعى القديم من المروة إلى الصفا، والجديد من الصفا إلى المروة وأظنه المقرر، فإننا ندعو بهذه الدعوة: ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) سائلين الله الهداية في هذه المسألة العظيمة الجليلة قبل أن نتكلم فيها.

قد تباينت وجهات النظر في حكم المسألة، وطريقة الاستدلال، وطريقة معالجة الخلاف تباينًا كبيرًا، نسأل الله -تعالى- أن ييسر إزالة آثاره السلبية على المسلمين.

فمن قائل: "بأن العمرة لا تجوز حتى ينتهي العمل، ويعود المسعى القديم إلى العمل؛ لأن السعي ركن". ولا أدري ما يقول أصحاب هذا الرأي في الحج لو استمر الأمر على ما هو عليه أو جُـعِـل المسعى القديم اتجاهًا واحدًا، فإن السعي في الاتجاه المعاكس لاتجاه الناس في زحام الحج سيؤدي إلى كارثة حقيقية، وتعطيل فريضة الحج لا يقول به عالم.

ومن قائل: "بوجوب الدم على مَن سعى في المسعى الجديد؛ لأنه ترك واجبًا"، ومن قائل: "بأن من أحرم بعمرة فهو محصَـر، وعليه هدي الإحصار"، ومن قائل: "بجواز التوسعة ولو إلى خارج حدود ما بين الصفا والمروة" زاعمًا بأن الزيادة لها حكم المزيد، هكذا بإطلاق! ومن قائل: "بجواز السعي في المسعى الجديد؛ لأنه في حدود ما بين الجبلين بالشواهد التاريخية والجيولوجية وشهادة الشهود، ولا تجوز الزيادة عما بين الجبلين".

وقد طالعت أدلة كلٍ؛ فوجدت المانعين -ومنهم أكثرية علماء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التي اتخذت بالأكثرية منذ سنتين قرارًا بعدم جواز التوسعة الأفقية بمن فيهم سماحة المفتي العام للمملكة- يبنون كلامهم على فتوى سابقة للشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- بأن المسعى القديم -في التوسعة السعودية الأولى- مستوعب لمكان السعي عرضًا لا تجوز الزيادة عليه، واعتماد هذه الفتوى على ما ذكره بعض العلماء المتقدمين من أن عرض المسعى بنحو من خمسة وثلاثين ونصف ذراعًا -على ما ذكر الأزرقي في كتابه "أخبار مكة 2/95"-، وأن هذا العرض حد للمسعى، وأن هذه الحدود هي من المشاعر التي حافظت عليها الأجيال، وأنه لا مجال للاجتهادات في تغيير المشاعر وأحكام الحج -كما ذكر ذلك الشيخ الفوزان حفظه الله-.

وأما الفريق الآخر الذي يجيز التوسعة: فمنهم مَن يبني كلامه على التيسير على المسلمين، وأن المحدود -وهو عرض المسعى- لا يمكن أن يتسع لغير المحدود -وهو أعداد المعتمرين والحجاج المتزايدة-؛ فلا بد من التوسعة ولو زادت سبعين ضعفًا -كما قال بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله-.

ومنهم مَن بنى كلامه على أنه لا بد من السعي بين الصفا والمروة، ولكن اتساع الجبلين وامتدادهما كان أكثر مما هو عليه الحال في العمارة الحالية، وذلك بشهادة الشهود العدول، وبالحقائق الجيولوجية المشاهدة، وبالأخبار المذكورة عن المتقدمين من العلماء.

مناقشة أدلة المانعين:

وبالنظر في أدلة المانعين لا نرى أن ما احتجوا به يصلح دليلًا على المنع؛ لأن النص القرآني: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:158)، لم يشترط إلا أن يكون السعي بينهما، فكل ما كان بين الجبلين وحدودهما القديمة من أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو مكان للسعي، وقد ثبت بالدلائل -المشاهدة والمسموعة- حصول تغيير في حجم الجبلين في العمارات المتعددة، فالعبرة بما كان موجودًا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما قبله وما هو مشاهد من آثار التغيير، وليس أن إزالة جزء من صخور الجبلين يغيِّر الحكم الشرعي في السعي بين مكان هذه الصخور ولو سوي بالأرض.

الصفحة التالية