شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حول المسعى الجديد

الشيخ ياسر برهامي • المسلمون حول العالم

وفي قرارات هيئة كبار العلماء زمن الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- النص على الموافقة على الاقتراح بتكسير صخر الصفا والمروة؛ لتيسير حصول السعي في العربات، وهذا الذي تم في العمارة السعودية الأولى، ثم ما كان في التوسعة الثانية من إنشاء طريق للمشاة بين جبل الصفا وجبل أبي قبيس، وذلك بإزالة جزء من جبل الصفا كما هو معلوم من كلام أهل العلم في تعريف جبل الصفا، وأنه جبل في سفح جبل أبي قبيس، وقد ذكر أبو إسحاق الحربي في وصفه لجبل الصفا أن طرفًا من جبل أبي قبيس يتعرج خلف جبل الصفا.

والصور الفوتوغرافية الملتقطة تدل على امتداد جبل الصفا إلى جبل أبي قبيس -الذي عليه الآن قصر الضيافة-، وقد ذكر فضيلة الشيخ عويد المطرفي: "أن التغيير الذي وقع لجبل الصفا وقع على مرحلتين أولاهما: عام 1375هـ، حين قطعت أكتاف جبل الصفا، وفتح عليها شارع لمرور السيارات يصل بين أجياد والقشاشية، والثانية: في عام 1401هـ حين أزيل هذا الشارع وقطع الجبل من أصله وفصل موضع الصفا عن الجبل، وفتح بينه وبين الجبل الأصلي طريق متسع للمشاة بين ما بقي من أصل الجبل وبين جُـدُر الصفا، بيد أن أصله وقاعدته موجودة تحت أرض الشارع المذكور" (انتهى عن عويد المطرفي في كتابه: "رفع الأعلام بأدلة توسيع عرض المسعى المشعر الحرام"، ص 9) .

والشيخ المطرفي أثبت شهادته كتابة، وشهادة في المحكمة العامة بمكة بتاريخ 25/12/1427هـ مع غيره من الشهود أمام القاضي الشيخ عبد الله بن ناصر الصبيحي، نقلًا عن كتاب: "توسعة المسعى عزيمة لا رخصة". أ. د/ عبد الوهاب أبو سليمان.

وقد يسر الله لي شخصيًّا الدخول إلى موقع المشروع الحالي في شهر جمادى الأولى 1429هـ، إلى موقع هذا الشارع المذكور فرأيت بنفسي امتداد صخور ما بقي من جبل الصفا -وهو ما كان يقف عليه الناس داخل المسعى القديم- إلى سفح جبل أبي قبيس -الذي عليه قصر الضيافة- مما لا يشك معه الناظر أنه امتداد للجبل، وأنه صخر واحد متصل، فضلًا عن الدراسات الجيولوجية المؤكدة لذلك، وإن كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه في منتهى الوضوح. وأنا أدعو المشايخ الذين منعوا من توسعة المسعى إلى إدراك الفرصة قبل أن يتم العمل، ويتغطى المكان بالرخام وغيره، وأن ينزلوا بأنفسهم لمعاينة المكان، وعندها أظن أن الأمر سيختلف في كلامهم.

وكذا في أمر "المروة" فإن امتداد الصخر امتداد واحد إلى أوسع من مساحة المسعى الجديد عرضًا بحيث إنها تتسع لمزيد من التوسعة، وكلها بين الصفا والمروة حيث إن "المروة" جزء من سفح جبل "قعيقعان"، وامتداد صخوره شرقًا واضح ظاهر للعيان.

وقد أخبرني من شاركوا في أعمال الحفر من إخواننا العمال المصريين أن أرض المسعى بعد الجبلين، إنما هي أتربة خالية من الصخر إلى أن يصل الحفر إلى الماء، بخلاف موضع الجبلين، فإن صخورهما واضحة الامتداد، وكانت قبل ذلك مرتفعة عن سطح الأرض كما دلت عليه الصور وشهادة الشهود والكلام التاريخي للعلماء (1) .

وأما ما ذكره بعض المتقدمين من تحديد عرض المسعى بـ 35.5 ذراعًا فهو -في الحقيقة- وصف للواقع الذي شاهدوه وليس ذلك بتحديد شرعي يلزم الرجوع إليه، بل الواجب أن يكون السعي بين الصفا والمروة، وقد كانت البيوت مقامة على الصفا وعلى المروة، والحوانيت التي أزيلت كانت -أيضًا- في المسعى قبل العمارة السعودية الأولى. فهل لو قيس المسعى عرضًا في وجودها يكون ذلك تحديدًا شرعيًّا ملزمًا، وهي قد أخذت جزءًا من المسعى كما أخذت البيوت القديمة جزءًا منه؟

ولو أن أحدًا قاس قطر المطاف اليوم شمالاً وجنوبًا أو شرقًا وغربًا، ووصف ذلك الواقع هل يكون ذلك تحديدًا شرعيًّا لا يجوز أن يوسع بعد ذلك؟!

الذي لا نشك فيه أن هذا ليس تحديدًا شرعيًّا؛ حيث لم يحدده النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا حدده المسلمون بحدود معلومة كما حددوا وتناقلوا أعلام الحرم والمشاعر الأخرى، فكان الواجب في السعي هو أن يكون بين الصفا والمروة على ما كانا عليه قبل أن تنالهما التغييرات بالتكسير أو النسف أو البناء عليها أو بينهما.

ولذا؛ نرى أن الأدلة التي بنى عليها المانعون كلامهم لا تصلح دليلًا للمنع.

وأما المجيزون: فمن بنى كلامه على مجرد التيسير والمصلحة دون ضابط ما بين الجبلين، فيلزمه تغيير المناسك والمشاعر، ولا نشك في بطلان هذا المسلك، فالتيسير لا بد أن يكون منضبطًا بضوابط الشرع وما حدده. فعرفة والمزدلفة ومنى والحرم، وغير ذلك من المشاعر أماكن معينة أراها اللهُ إبراهيمَ -عليه السلام-، وتناقلها المؤمنون إلى يومنا هذا وإلى ما بعده، لا يسع أحدًا أن يغير ما أُجمع عليه منها بزعم التيسير والمصلحة؛ وإلا دخل في تشريع ما لم يأذن به الله -سبحانه-.

ولا شك أن قول من يقول: "إن المحدود لا يتسع لغير المحدود" كلام باطل، واستدلال بالقواعد في غير موضعها. ثم كيف لا يكون عدد الحجاج محدودًا -وهم في النهاية- بشر معدودون ليسوا يزيدون إلى ما لا نهاية؟ ثم التوسعة الرأسية مع الأفقية كافية -إن شاء الله- لأضعاف هذه الأعداد، مع الالتزام بأماكن المشاعر وحدود المناسك التي شرعها الله، وإنما تضيق الأمور بسبب من صنع الناس كما ضاقت منى بسبب طريقة بناء الخيام الواسعة، وحجز أماكن لأناس مخصوصين، ولو استعملت التوسعة الرأسية؛ لما ضاق الأمر -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية