شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (60) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (2-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اهتم المسلمون بالعلوم الكونية كاهتمامهم بالعلوم الدينية، فكان العالم منهم يجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وهذه سمة مِن سمات التعليم في الإسلام، فترى العالم منهم هو الفقيه المفسِّر الأصولي، وهو البارع في الطب أو الفلك أو الهندسة أو البصريات.

جاء ذلك من خلال نظرة واسعة للحياة ترى في العلوم الكونية الأدلة على وجود الخالق وقدرته ووحدانيته، وتجد في الإلمام بهذه العلوم الكونية المتنوعة وسيلة للنهوض بالمسلمين والبشرية في مجالات الحياة المختلفة: كالزراعة، والصناعة، والتداوي، متأثرين في ذلك بالقرآن الكريم الذي نوَّه بفضل العلماء وقدرهم في ثنايا حديثه عن الكون وآياته، لافتًا النظر على تدبر العلماء لهذه الآيات الكونية واقتحامهم عالمها، (وذلك في موضعين من كتاب الله -تعالى-:

الأول: قول الحق -تبارك وتعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ) (الروم:22) .

والثاني: قول الحق -تبارك وتعالى-: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) (فاطر:27-28) .

ففي قوله -تعالى- في الموضع الأول: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ )، وفي قوله في الموضع الثاني: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )؛ وذلك في ثنايا الحديث عن آيات كونية ما ينوه بشأن العلماء في هذه المجالات، ويحض المسلمين -من جانب آخر- على أن يقتحموا هذه المجالات، وألا تقتصر جهودهم على معرفة الفقه والحديث والأصول دون غيرها.

لقد اعتبر الإسلام إلمام المسلمين بهذه العلوم من فروض الكفايات؛ لما يترتب عليها من تنامي قوتهم المادية وتلبية حاجاتهم المعيشية) (راجع: مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، د. طلعت محمد عفيفي - ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - 1433 هـ - 2012 م، ص 36 -38) .

وقد تنبَّه المسلمون مع ظهور الإسلام وانتشاره إلى هذه المعاني المرتبطة بالعلم والتعليم فجالوا وبرعوا في العلوم الكونية كما جالوا وبرعوا في العلوم الدينية، فكانوا سادة في الدين والدنيا معًا، وبنوا حضارة تجمع بين الإيمان والعلم.

قال الدكتور أحمد نسيم سوسة: (تمتاز الحضارة الإسلامية في كونها تخضع في معظم إنتاجها إلى التعاليم الإسلامية، فالقيام بالصناعات والأخذ بالعلوم متصل بروح الأمة وعقيدتها؛ لأن العمل بذلك في نظر الإسلام فرض على الأمة، وهذا نظام يربط الإنتاج البشري بالدين) (المصدر السابق، ص 43 نقلًا عن: قالوا عن الإسلام، للدكتور عماد الدين خليل، ص 371) .

نتائج ربط العلم بالدين وعبادة الله -تعالى-:

لما كانت الغاية مِن التعليم في الإسلام هو ربط العلم والتعليم بتعريف الناس بخالقهم وتوثيق صلتهم به فقد عاد هذا الربط بين الإيمان والعلم على المسلمين فيما مضى وسيعود عليهم إذا عادوا إليه من جديدٍ في الحاضر بفوائد عظيمة، منها:

((أ) تهيئة الأجواء المناسبة لتطبيق تعاليم الإسلام على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وإزاحة التناقض بين ما يعتقده المسلم وما يتعلمه، بحيث ينمو الدارس على فطرة الإسلام، التأدب بآدابه، وإدراك تصورات الإسلام للحياة، وحلوله لمشكلاتها.

ومِن الملاحظ في هذا المجال: أن تفاعل الطلاب مع أساتذة العلوم التطبيقية والإنسانية وسائر العلوم عند ربطها بالإسلام وتوجيهاته يكون هذا التفاعل أكبر، والتأثر به أكثر مما لو اقتصر على زاوية ضيقة تعطَى للتربية الإسلامية (يعني تدريس الدين كمادة من المواد الدراسية).

(ب) تسخير العلم لخدمة الإنسانية، والبُعد به عن الزيغ والانحراف). فـ(حين يلتزم العلم بأخلاق الإسلام سنجد العلم يمدنا بما نحتاج إليه في كافة التخصصات، والخلق الإسلامي يحسن توجيهها، فعلى سبيل المثال: سيخرج لنا العلم الطبيب الماهر، ولكن الإسلام يعلمه الرحمة بالمرضى والشفقة عليهم، ويخرج لنا العلم الرجل المتخصص في علوم الذرة، ولكن في إطار تعاليم الإسلام يخضعها لخدمة الإنسانية، وليس في القضاء عليها، ويوجد لنا العلم رجل الاقتصاد الفاهم، ولكن الإسلام يربيه على الأمانة ونظافة اليد، ويحول بينه وبين التعدي على أموال الغير، وهكذا).

(ج) إقامة وحدة فكرية بين أبناء العالم الإسلامي تسهم في توحيد صفوف المسلمين، وتعمل على جمع شتاتهم.

(د) الاعتماد على مصدر متكامل للمعرفة، يوازن بين الجسد والروح، والدنيا والآخرة؛ لأنه وحي من الله يتمثل في كتاب الله، وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

(ه) قطع الطريق على أعداء الإسلام الذين عقدوا العزم وبيتوا النية على إفساد المسلمين بإفساد منابع التعليم التي يستقون منها) (راجع: مدخل إلى التعليم، ص 43 - 44) .

لا يكفي تدريس الإسلام كمادة دراسية:

قال د. طلعت عفيفي: (وقد يقول قائل: ألا يكفي أن يتم تدريس الدين من خلال مقرر دراسي يتم من خلاله تعريف الطالب بواجبه نحو خالقه وإعطاء لمحات عن الأخلاق والسيرة وسائر فروع الإسلامية، كما هو حادث الآن في معظم البلاد الإسلامية، دون حاجة إلى تطويع سائر المواد لتصب في إطار إسلامي يعين الطالب على معرفة خالقه، كما يطالب هذا البحث وأمثاله بذلك؟

ويجاب عن هذا بعدة أشياء نلخصها فيما يلي:

الصفحة التالية