شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (60) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (2-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(أ) إن دين الإسلام يختلف في مفهومه عن الأديان الأخرى، فلئن كانت هذه الأديان تفصل بين الدين والحياة، فإن الإسلام كل متكامل، ليس فيه شيء لله وشيء لغيره، بل كل شيء لله، والمسلم يعلن هذه الحقيقة في كل يوم فيقول في مفتتح صلواته (يعني دعاء الاستفتاح في الصلاة) -كما في السنة-: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) (الحديث بتمامه أخرجه مسلم (1 / 534) كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه) .

(ب) إن الاقتصار على تدريس الدين كمادة مثل سائر المواد دون أن تمتد ظلالها إلى سائر المواد يخرجها عن إطار كونها تربية، إلى مجرد ثقافة تؤهل الطالب للنجاح في الامتحان دون أن يكون لها أثر وقعي في حياته، بل تؤدي في الواقع إلى زيادة نفوره من الدين.

(ج) إن عدم التدخل في كل المواد لتطويعها بما يخدم قضية العقيدة والإبقاء على ما فيها مِن خرافات تتعارض مع الإسلام، يضعف -إن لم ينفِ- أي أثر يمكن أن تحدثه دروس التربية الإسلامية في نفوس الدارسين).

ويختم د. طلعت عفيفي كلامه في هذه القضية المهمة بقوله: (وعليه فلا مناص لمَن أراد أن يبني جيلًا مؤمنًا بالله متحمسًا لدينه، مِن صبغ كل المواد بصبغة الإسلام، مع العناية -في الوقت ذاته- بدروس التربية الإسلامية، والعمل على الارتقاء بها وبأساتذتها) (راجع المصدر السابق، ص 44 - 45) .

مكانة المعلم في التعليم الإسلامي:

مما لا شك فيه: أن المعلم هو العمود الفقري في العملية التعليمية، وله -أو ينبغي أن يكون له- المنزلة والمكانة العليا في حياة الناس، خاصة في زماننا الحالي الذي أصبح التعليم فيه يشغل معظم عمر الإنسان عامة وكل سنين شبابه خاصة؛ مِن الحضانة ورياض الأطفال حتى التخرج من الجامعة، ثم سنوات الدراسات العليا والتخصص بعدها.

لقد أصبح تأثير المؤسسات التعليمية في العصر الحاضر أكثر قوة وعمقًا من تأثير غيرها من المؤسسات بما فيه الأسرة والوالدين، والمعلم هو ركيزة هذه المؤسسات التعليمية من الحضانة ورياض الأطفال إلى أعلى درجات العلم وسلم التخصص.

إن للمعلم -دون غيره من وسائل وآليات العملية التعليمية مهما تقدمت وتطورت- الدور الأول والأخير فبدونه تفقد العملية التعليمية مَن يبث فيها الروح ويجري في عروقها دم الحياة.

وتتضح مكانة المعلم من أمورٍ عديدةٍ، منها:

(1- إن المعلم هو النموذج الحي المتحرك في مقابل الوسائل الأخرى الصامتة.

2- إن المعلم يتغلغل في جميع الأوساط التعليمية، بدءًا من الحضانة وانتهاءً بالجامعة، والتي تعد الوسائل الأخرى في بعضها ثانوية.

3- إن المعلم عامل أساسي في العملية التعليمية لا يمكن الاستغناء عنه بحال، وبوجوده يمكن للعملية التعليمية أن تتم، وغيابه لا يمكن صنع شيء.

4- إن الوسائل التعليمية الأخرى أداة طيعة في يد المعلم، يمكنه بكفاءته أن يجعلها سهلة محببة إلى نفوس الدارسين، في حين أنها تهبط إلى الحضيض وتهدم ولا تبني إذا لم يكن المدرس على المستوى اللائق، ويمكن لأي شخص أن يلاحظ ذلك من خلال النظر إلى تعامل الدارسين مع أستاذ يحبونه، فإنه يرى انعكاس ذلك على ترقبهم لمحاضراته، وحبهم لمادته، وتفوقهم فيها، والعكس بالعكس) (المصدر السابق، ص 49) .

والمعلم في كل مرحلة من مراحل التعليم على تدرجها وعلى تفاوتها هو العالم الذي يستقي منه تلاميذ وطلاب تلك المرحلة علمهم؛ كل في مادته التي تخصص فيها، وأتقن نقل ما يعلمه فيها إلى مَن هم تحت يده مِن طلاب المرحلة التي ارتبط بها، من الحضانة إلى الجامعة.

والعلاقة بين المعلم ومَن هم تحت يده هي في الإسلام ونظامه التعليمي علاقة العالم بالمتعلم، بكل ما ذكره علماء المسلمين من آداب هذه العلاقة من واجبات العالم وآدابه، ومن واجبات المتعلم وأدبه مع مَن يعلمه، فللمعلم في نظام التعليم الإسلامي نفس منزلة ومكانة العالم في الإسلام سواء في علوم الدين أو في غيرها من العلوم.

التعليم رسالة وأمانة وأجرها عند الله:

ينظر الإسلام على تعليم العالم لمن يحتاج إلى علمه على أنه رسالة هي في الأمة مِن فروض الكفايات، وعلى مَن كلف بها فرض عين، وهو مسئول عنها في الدنيا والآخرة.

(إن الإسلام يعتبر المعلم واقفًا على ثغرة من ثغور الإسلام، وأن الأمة قد دفعت إليه بفلذات أكبادها ليثقف عقولها ويزكي نفوسها، ويعد منهم رجالًا تعتمد عليهم الأمة في حاضرها ومستقبلها. وعلى هذا فالعمل في مجال التعليم ليس حرفة يتكسب منها الإنسان ما يكفيه أو يغنيه دون النظر إلى شيء آخر، ولكنه رسالة يحملها المعلم على عاتقه، فإن وفَّى بما عاقد عليه واتقى الله في أبناء المسلمين فنفع ولم يضر، وهدى ولم يضل، كان حريًّا أن ينال الأجر والمثوبة مِن الله الذي وعد، ووعده لا يتخلف ( إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) (الأعراف:170) .

وإن أهمل تربية الدارسين ولم يكترث إلا بما يعود عليه من نفع ذاتي، فإن الله -تعالى- سائله ومحاسبه، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القائل: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... ) (متفق عليه) ، و(المعروف في ديننا الإسلامي أن بين العمل وبين الثواب تناسبًا طرديًّا؛ بمعنى: أن العمل كلما كان عظيمًا والأثر المترتب عليه عظيم كان الثواب على قدره عظيمًا) (المصدر السابق، ص 51 - 52) .

إعداد المعلم في التعليم الإسلامي:

في نظام التعليم في الإسلام ينبغي أن يتم إعداد المعلم على الوجه المطلوب منه في القيام بمهمته السامية، فـ(يتحلى المعلم بإخلاص النية في عمله وتجرده لتحقيق مرضاة الله -تعالى-، يتفانى في أداء عمله ويجتهد في تجويده وإحسانه، ويبادر إلى مباشرة عمله بجدٍّ واجتهاد، وسعادة وشوق، وذلك كله دون نظر إلى رقابة عميد أو مفتش أو ناظر، فإن الرقابة الخارجية -مهم تنوعت أساليبها- تفشل في تحقيق النجاح المرجو، ما لم تكن لدى المعلم رقابة ذاتية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإخلاص) (المصدر السابق، ص 55) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية