شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (60) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (2-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ومِن تمام إعداد المعلم إعداده ليكون قدوة، (فإن المعلم الناجح هو مَن يقدم لطلابه نموذجًا صالحًا من نفسه، ولهذا قالوا: (المعلم يثقف العقول بعلمه ويربيهم بخلقه)، (إن المخاطبين يتفاوتون في درجات الفهم، ولكن الجميع يتساوون أمام الرؤية بالعين لعمل تربوي يلتزم به معلمهم.

يقول أبو حامد الغزالي: (العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر)، (إن القدوة الحسنة في المعلم هي السبيل الأمثل لإقناع المتعلم واستجابته، وهي في هذا الجانب أعمق تأثيرًا في النفس البشرية، والاستجابة لها أسرع مِن أي كلام نظري، وقد قيل في هذا المعنى: (مقام رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل)، (إن نفوس المتعلمين مفطورة على تقليد أساتذتهم والتشبه بهم، فإن التزم المعلم بالقدوة الحسنة في نفسه أجاد وأفاد).

(يقول الإمام علي رضي الله عنه: من نصب نفسه للناس إمامًا؛ فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم) (المصدر السابق، ص 56- 57 بتصرفٍ) .

ومِن تمام إعداد المعلم: أن يكون لديه الإلمام الواسع بالمادة التي يدرِّسها، والقدرة على إجادة عرضها، فيجذب الطلاب إليه ويشوقهم لما يدرسه لهم، ويبعد عنهم الملل والسأم.

(وينبغي ألا يقتصر المعلم -في هذا المجال- على العمق فيما تخصص فيه -وإن كانت لذلك الأولوية-، بل يعتني بتنمية معلوماته العامة في غير مجال التخصص، فإن ذلك من شأنه أن يكسبه ثقة طلابه ويمنحه حبهم، والقدرة على التأثير فيهم.

ومما يجود عمله في هذا المجال أيضًا: أن يكون على إلمام بطرق التدريس ليختار لكل مرحلة ولكل مادة الطريقة المناسبة لها، مثله مثل الطبيب الذي يصف لكل مريض ما يناسبه من الدواء، وإذا أهمل المعلم هذه الصفة أثَّر ذلك على أدائه كمعلم، وبات مجرد ملقن للدارسين ما لديه من المعارف القليلة، ومع قلة استفادة الطلاب منه ينزعون ثقتهم به ويقلون من احترامهم له، حين ينظرون إليه فيجدونه فارغًا).

(عن سفيان بن عيينة -رضي الله عنه- أنه قال يومًا لأصحابه: مَن أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قالوا: قل يا أبا محمد. قال: ليس أحد أحوج إلى طلب العلم مِن العالِم؛ لأنه ليس الجهل بأحدٍ أقبح به من العالِم) (المصدر السابق، ص 58 - 59 بتصرفٍ) .

وينبغي إلى جانب ذلك: أن يراعي المعلم حسن مظهره ونظافة ملبسه في رجولة ووقار، لا إفراط فيه ولا تفريط، فذلك أدعى إلى قبول الطلاب والمتعاملين له؛ ولئلا ينفر منه الطلاب أو تتناوله الألسن بالكلام، (عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: (ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا، ولا أشد تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه، ولا أنقى ثوبًا وأشده بياضًا من أحمد بن حنبل). وعن يحيى بن محمد الشهيد قال: (ما رأيت محدثًا أورع من يحيى بن يحيى، ولا أحسن لباسًا منه) (راجع المصدر السابق، ص 59- 60) .

كما ينبغي على المعلم أن يجعل علاقته بطلابه يشوبها الود والمحبة والترابط فيتعدهم ويتعرف على أحوالهم ويقدم لهم ما استطاع من مساعدة إذا احتاجوا إليها وقدر هو عليها، فينبغي أن يؤدي المعلم في حياة الطالب دورًا لا يقل عن دور الأب.

روى الإمام أبو يوسف عن نفسه أنه كان يطلب الحديث والفقه في مجالس الإمام أبي حنيفة، وهو مقلّ ورَثّ الحال، فدعاه أبوه إلى ترك مجلس أبي حنيفة والالتفات إلى معاشه الذي يحتاج إليه، يقول: (فقصرت عن كثيرٍ مِن الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة -رضي الله عنه- وسأل عني، فجعلني أتعهد مجلسه، فلما كان أول يوم آتيته بعد تأخري عنه قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي. فجلست، فلما انصرف الناس دفع إلى صرة، وقال: استمتع بها، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة، وإذا فرغت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه كان يُخبَر بنفادها حتى استغنيت وتمولت) (راجع المصدر السابق، ص 66 - 67 نقلًا عن وفيات الأعيان لابن خلكان (6 / 38) ط. دار صادر- بيروت المحققة) .

دور المعلم في الربط بين التعليم والتربية الإسلامية:

يحتم الجانب التربوي من رسالة المعلم على ألا يقتصر دوره على حشد المعلومات وحشو الأذهان من خلال تدريس المقرر، ولكن ينبغي عليه العمل الجاد المستمر للارتقاء بسلوك طلابه وتربية قلوبهم من خلال المادة التي يدرسها (ويتحمل المعلم العبء الأكبر في تحقيق هذا الهدف؛ إذ إنه يلتقي في اليوم الواحد مع العديد من الطلاب، ولفتراتٍ تزيد على السنة أحيانًا، وكلهم -بين يديه- آذان صاغية وعقول واعية، وتأثرهم به واقع لا محالة، إن كان نفعًا أو ضارًا، وإن خيرًا أو شرًّا)، (هذا ولا يخلو علم مِن العلوم من إمكانية توجيهه لصالح التربية الإسلامية وخدمة قضايا الدعوة إذا وجد المدرس الكفء، وتجرد لخدمة الإسلام من خلال تخصصه).

(وأمامنا تجربة الغرب بشقيه: الرأسمالي والشيوعي، فقد نجحوا هناك في إخضاع كافة العلوم لتحقيق أهدافهم؛ ليس هذا فحسب، ولكنهم صدَّروا إلينا مناهجهم وطرائقهم في التعليم؛ مما أدَّى إلى نشأة أجيال مسلمة لا تعرف الإسلام، ولا تحب أن تتعرف عليه كما صرح بذلك زويمر زعيم المبشرين).

(وعلى سبيل التمثيل لإمكانية تطويع التعليم لخدمة الدعوة الإسلامية أسوق هذا المثل لأحد قادة الدعوة الإسلامية بالجزائر، وهو: الشيخ "عبد الحميد بن باديس" -رحمه الله-؛ فقد كان الشيخ حريصًا على سلامة اللسان العربي في الجزائر مِن محاولات المستعمرين الفرنسيين القضاء عليه واستبداله باللسان الفرنسي، فكان يدرس للناس في المساجد والزوايا علوم اللغة العربية، ومنها: علم النحو، وكان يشرح لهم ألفية ابن مالك، فكان يقف عند الكلمات والأمثلة، ويستخرج منها معاني تربوية، فإذا قال مثلًا:

كـلامـنا لـفـظ مفيد كاستـقـم واسم وفعل ثم حرف الكلم

قال: (كلامنا) أي: نحن العرب المسلمين.

(لفظ مفيد) أي: لا مجال فيه للمهاترات، وتضييع الأوقات.

(كاستقم): فيطيل الكلام حول الاستقامة وأهميتها ومنزلتها من الدين، وهكذا... ثم يشرح القواعد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية