الفساد (61) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (3-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتجتهد كل دولة -على اختلاف توجهها- في وضع منهجها التعليمي مِن خلال أصحاب الخبرة فيها والمتخصصين، على أن يحقق هذا المنهج التنمية الشاملة المرجوة للطلاب عقليًّا وروحيًّا، واجتماعيًّا، وبدنيًّا ونفسيًّا؛ لذا لا يخلو المنهج التعليمي من الجوانب التربوية إلى جانب تلقي العلوم والمعارف المختلفة، فالمنهج التعليمي يهدف القائمون عليه إلى جانب التعليم، تأصيل قيم وميول واتجاهات لدى جميع الدارسين.
ومن هنا تأتي خطورة المناهج في العملية التعليمية، فـ(المناهج هي الترجمة الواقعية لتطبيق الأهداف التعليمية وتحويلها من مرحلة الأماني إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ، وهي المجال الحيوي الذي يمكن أن نرى فيه هذه الأهداف شخصية ملموسة، والمنهج -أصلًا- هو جميع ما تقدمه المدرسة إلى تلاميذها تحقيقًا لرسالتها وأهدافها وفق خطتها في تحقيق الأهداف) (انظر: مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، د. طلعت محمد عفيفي، ص 69 نقلًا عن: دراسات في أصول التربية، د. محمود قمبر وآخرون، ص 51) .
لكل نظام سياسته التعليمية الخاصة به:
ما ذكرناه عن خطورة المناهج في العملية التعليمية (يفسِّر السر في حرص كافة الأنظمة على أن تتفق سياستها التعليمية مع ما يختاره كل نظام منها لنفسه، ووضع المناهج على النحو المراد إعداد الأجيال عليه، وإعلان الرفض بشدة لأية سياسة تعليمية تتعارض مع الاتجاه العام للدولة والنظام) (المصدر السابق، ص 70) .
قال (جفرن) -وكان أحد علماء الاتحاد السوفيتي الكبار في مجال العلوم الطبيعية- معلنًا عن تميز المنهج التعليمي في الاتحاد السوفيتي عن غيره من المجتمعات غير الروسية: (إن العلم الروسي ليس قسمًا من أقسام العلم العالمي؛ إنه قسم منفصل قائم بذاته، يختلف عن سائر الأقسام كل الاختلاف، فإن سمة العلم السوفييتي الأساسية أنه قائم على فلسفة واضحة متميزة، إن التحقيقات العلمية لا تزال في حاجة إلى أساس، وإن أساس علومنا الطبيعية الفلسفية المادية التي قدمها (ماركس وإنجلز ولينين وستالين). إنا نريد أن نخوض -وفي أيدينا هذه الفلسفة- في معترك العلم الطبيعي العالمي، ونصارع جميع التصورات الأجنبية التي تناهض فلسفتنا المادية والماركسية بكل حزم وقوة) (المصدر السابق، ص 70-71، نقلًا عن: نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية، لأبي الحسن الندوي، ط. مؤسسة الرسالة – بيروت، ص 55 - 56 بتصرف) .
وما يقال عن روسيا يقال عن أي دولة أخرى، فالصين الشيوعية ترفض المناهج الروسية الشيوعية، وبريطانيا مع فكرها الغربي ومع كونها جارة لفرنسا لا تفكر في استيراد أي شيء مِن المناهج الفرنسية، وفرنسا بدورها ترفض مناهج غيرها.
معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي:
يقول د. طلعت محمد عفيفي: (وفي ضوء ما تقدم: أرى أن معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي تحتوي على العناصر التالية:
1- تنقية المناهج مما يخالف شرع الله.
2- التركيز على بعض العلوم التي تعرِّف الدارسين بأسس دينهم.
3- العمل على صياغة كافة العلوم بما يتفق وتعاليم الإسلام.
4- الاهتمام بالإعداد الخلقي للدارسين مقترنا بالتربية العقلية. (المصدر السابق، ص 72-73) .
تنقية المناهج:
قال د. طلعت محمد عفيفي: (إن العالم المعاصر قد أصبح قرية صغيرة، وساعدت وسائل الاتصال السريعة على انتقال الثقافات والأفكار من مجتمع لآخر، ومنها ما يتعارض مع الإسلام، ويدعو إلى مخالفة قيمه. يضاف إلى ذلك: أنه في ظل تخلف العالم الإسلامي، ووقوعه تحت السيطرة الغربية، نجح أعداء الإسلام في فرض مناهج دراسية تروج لآراء المستشرقين والصليبيين، وتسبِّح باسم الحضارة الغربية، وترفع من قيمة علمائها، وتجعل من آرائهم ونظرياتهم قوانين تُبنى عليها حياة الفرد والمجتمعات، مع ما في آرائهم من طعن في الإسلام، ومخالفة لقيمه ومبادئه، وتشكيك في فعالياته ومعطياته!)، و(يترتب على تلقي المسلم للعلوم بهذه الصورة جملة من السلبيات).
(وفي ظل تعليم إسلامي يرجو الله واليوم الآخر لا قبول لهذه الآراء والنظريات التي تشجع على الإلحاد والإباحية؛ إلا إذا عُرضت مقرونة بما ينقضها ويكشف زيفها. وفي الوقت ذاته لا بد من إبراز دور علماء المسلمين ونظرياتهم في كافة أنواع العلوم المختلفة، وهي كفيلة بإمداد المسلمين بما يحتاجونه إليه مع تعميق إيمانهم بخالقهم، وذلك بعكس الأفكار والنظريات الغربية) (المصدر السابق، ص 73-74) .
(وفيما يتعلق بحماية المسلم من أي علم يشوش عليه، أو يصيبه باضطراب في إيمانه، أخرج الإمام أحمد في مسنده -بسندٍ حسنٍ- عن جابر عن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: ( أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ) والتهوك: من مادة (هوك)، والتهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير، ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ) (راجع المصدر السابق، ص 72 بتصرفٍ) .
ومِن الحكم التي تتعلق بأهمية المناهج التي تدرس وسلامتها قولهم: (قل لي: ماذا تقرأ؟ أقل لك: مَن أنت).
ملامح منهج دراسة التربية الإسلامية:
يرى د. طلعت محمد عفيفي أنه ينبغي أن يُراعَى في منهج تدريس التربية الإسلامية ما يلي:
1- أن تكون التربية الإسلامية مادة أساسية في جميع مراحل التعليم، من الابتدائية إلى الجامعة، في جميع أنواع التعليم: العام والفني والعسكري، مع العناية بإعدادها واختيار موضوعاتها بما يتناسب والمستوى الفكري لكل مرحلة.