الفساد (61) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (3-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
2- إعداد المنهج الديني المقرر على الدارسين بصورة مشوقة، وخالية من الغموض والتعقيد، وتعالج مختلف القضايا الفكرية والاجتماعية، وتصحح المفاهيم التي تتعارض مع الإسلام، بحيث تلبي حاجة الدارسين فيما يُفرض عليهم معرفته من علوم الشريعة، ويخرجهم من دائرة الجهالة بدينهم وشرعهم.
3- توجيه مزيد من العناية بالقرآن الكريم حفظًا ودراسة -وبخاصة في المراحل الأولى- فقد أثبتت التجارب أن توجيه الناشئين إلى حفظ القرآن يحفظ عقائدهم، ويزكي عقولهم، ويجوِّد ألسنتهم. قال العلامة ابن خلدون في مقدمته (ط. دار ومكتبة الهلال - بيروت - طبعة سنة 1983م، ص 334): (اعلم أن تعليم الولدان للقرآن -شعار الدين-؛ أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق فيه إلى القلوب التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد مِن المَلَكات).
4- الارتقاء بمستوى الأداء في تدريس التربية الإسلامية بما يخرجها عن أن تكون دراسة نظرية مجردة، وأن يبدو أثرها الإيجابي على الدارسين في سلوكهم وحياتهم، ولا يكون ذلك إلا بإعادة المكانة اللائقة للتربية الدينية بين سائر المناهج، وعدم التقليل من شأنها كما هو واقع الآن، والعناية باختيار مدرسيها من أصحاب الكفاءات العلمية الجيدة، المتمتعين بسيرة حسنة تؤهلهم لتدريس الإسلام وثقافته.
ويشير د. طلعت محمد عفيفي إلى بعض المآخذ على طريقة التدريس الحالية للتربية الإسلامية في مدارسنا، ومنها:
1- عدم المعايشة للقضايا التي تشغل عقول الشباب وتستحوذ على اهتمامهم، وعدم العناية بإبراز وجه الحق في هذه القضايا.
2- الاكتفاء بالحديث عن القيم الدينية التي تستفاد من دراسة بعض النصوص دون الاهتمام بكيفية التطبيق العملي لهذه القيم، ودون الاهتمام بترقي السلوك على أساسها.
3- خلو المنهج من العناية بعرض الإسلام ورسالته العامة للبشر كدستور للحياة الإنسانية بكل أبعادها في العقيدة والتشريع والأخلاق.
4- عدم العناية بإبراز العلاقة الحميمة بين الدين والعلم، وبيت العقيدة والحياة، والاكتفاء بدراسة الدين معزولًا عن العلوم، ودراسة العلوم بعيدًا عن الدين، وترك الناشئة والشباب للتمزق النفسي والصراع الفكري دون تفسير لما قد يظهر لدى الشباب من اعتقاد التفاوت بين الدين والعلم.
5- عدم العناية باختيار المدرس صاحب القدرة على عرض منهج التربية الإسلامية بالأسلوب الذي يحقق الغاية منه.
ويضيف د. طلعت محمد عفيفي: (والنتيجة لذلك كله هي ما سبقت الإشارة إليه من أن التربية الإسلامية تخرج عن كونها تربية إلى مجرد ثقافة عامة تؤهل الطالب للنجاح في الامتحان دون أن يكون لها أثر واقعي في حياته، بل تؤدي إلى زيادة نفوره من الدين) (المصدر السابق، ص 75 – 76، نقلًا بتصرف عن مقال: الخطوط الفكرية ومشاكل الشباب، للدكتور محمد الأحمدي أبو النور -وهو وزير سابق لوزارة الأوقاف المصرية-، والمقال منشور ضمن مقالات مؤتمر مشكلات الشباب في العالم الإسلامي المنعقد في القاهرة بتاريخ: 30 مارس 1981م تحت إشراف المركز الدولي الإسلامي للدراسات والبحوث السكانية بجامعة الأزهر) .
صياغة كافة العلوم وفق تعالم الإسلام:
(وهذا الأمر ليس عسيرًا ولا مستحيلًا إذا صدقت النوايا، وصح اعتقادنا بقدرة الإسلام على إصلاح النفس والمجتمع)، (ولقد طوعت هذه العلوم في بلاد لتخدم الإلحاد وتدعو إليه، وفي بلاد أخرى لتمكين العلمانية وإزاحة الدين عن قيادة الحياة؛ فلماذا نتصور عجز الإسلام عن تطويع العلوم لخدمة الأهداف العليا للدعوة الإسلامية، وهو الدين الذي قاد البشرية بأسرها نحو التقدم والرقي في شتى فروع العلم، ولا تزال إسهامات علماء المسلمين -حتى يومنا هذا- رافدًا من روافد العلم في أوروبا؟).
(ومن الضروري في هذا المجال: أن يتوفر المتخصصون على توفير المناهج قي صورتها الإسلامية، وهو الأمر الذي يعيننا على أن نبدأ بداية حقيقية، وليس مجرد اقتراحات وتوصيات، ونذكر هنا بأن المتخصصين لم يدخروا وسعًا في تقديم خبراتهم ومساهماتهم من خلال العديد من المؤتمرات التي عُقدت لهذه المسألة خصيصًا في أكثر من بلد إسلامي.
ومن أشهر هذه المؤتمرات:
- المؤتمر الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة سنة 1977م، والذي حضره ما يزيد على ثلاثمائة عالم ومفكر من شتى أرجاء المعمورة، ووضعوا خطة لإيجاد نظام إسلامي للتربية والتعليم، وتلا هذا المؤتمر مؤتمرات أخرى في باكستان والسودان وبنجلاديش وإندونيسيا.
- مؤتمر عقد في القاهرة في صيف عام 1996م تحت إشراف جامعة الأزهر للغرض ذاته.
ولكن هذه المحاولات لا تتم الاستفادة بها ما لم تتفاعل معها وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي، وتؤخذ المسألة بجدٍّ واجتهادٍ، وهو ما لم يحدث حتى الآن) (المصدر السابق، ص 76 - 78) .
وهذا يبيِّن أهمية توفر الإرادة السياسية وتمسك المجتمع بالعمل على تحقيق ذلك، وللأسف فإن من أشد أخطائنا ما يظنه الكثيرون من المسلمين ويتبناه حكامهم أنهم يظنون أنه لا علاقة للإسلام بالتعليم ككل، وأنه يكفينا من الإسلام مادة التربية الدينية التي تُدرس في المدارس دون أي رغبة أو طمع فيما هو أكثر من ذلك، وهذا فهم يحتاج إلى تغييره بالكلية كما بينا.
الإعداد الخُلُقي التربوي للدراسين:
الإسلام لا ينظر إلى التعليم على أنه ثقافة وتحصيل علوم دون اهتمام بما يترتب على هذه الثقافة وهذه العلوم مِن نتائج وآثار، فالعلم من جهة نظر الإسلام ينقسم إلى علم نافعٍ وعلم ضارٍ، ومقياس هذا النفع أو الضر بمدى ما يحققه العلم للمتعلم من رفعة في أخلاقه وارتقاء في علاقته بربه -عز وجل-، وما يحققه لنفسه وللآخرين من منفعةٍ عاجلةٍ في الدنيا أو آجلة في الآخرة.