الفساد (61) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (3-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(قال د. عباس محجوب: يقع القائمون على التعليم في خطأ كبير، وهو الاعتماد الكلي على الجانب الإحصائي في إبراز منجزات التعليم من حيث التطور الكمي، وعدد المدارس والمدرسين، والزيادة الرأسية في ميزانيات التعليم ونسبتها إلى الميزانية العامة وما إلى ذلك من الشكليات)، (والمعروف أن الإحصاء هو شكل لا يدل على المضمون، وأن العبرة في التعليم ليست في النواحي الكمية، بل في آثار التعليم، وماذا أضاف في الإنسان في فكره وعقله وتجاربه وثقافته، وما أثر التعليم في تغير اتجاهات المجتمع نحو ما هو مطلوب؟ وما التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها؟ وما دور المناهج وما مدى مناسبتها تربويًّا؟
هذه الأسئلة وغيرها هي التي يفترض أن تشغل ذهن العاملين في التعليم بدلًا من الإحصاءات والتقارير واللجان والاجتماعات، وغير ذلك مما يأخذ الجهد والوقت على حساب التعليم) (المصدر السابق، ص 79 نقلًا عن: مشكلات الشباب: الحلول المطروحة والحل الإسلامي، ص 50 بتصرفٍ - د. عباس محجوب، كتاب الأمة رقم 11، ط. ثانية سنة 1406هـ) .
وقال د. طلعت محمد عفيفي: (وفي ختام حديثي عن معالم المنهج التعليمي في النظام الإسلامي أرى من الضروري الإشارة إلى شيء قد يلتبس فهمه على البعض، وهو أننا لا نعني بذلك الاهتمام بالعلوم الشرعية دونما سواها من علوم إنسانية وتجريبية وغيرها، بل على العكس زيادة العناية بهذه العلوم مع الانطلاق بها من منطلق إسلامي، وتوفير ما يحتاجه المسلمون في كافة التخصصات من خلال أناس مؤمنين بالله وملتزمين بأخلاق الإسلام، وبهذه المناسبة نذكر بأن العلماء ينكرون على أية جماعة يتوجه جمهور متعلميهم إلى الفقه ونحوه على حين لا يوجد في بلدٍ من بلدان المسلمين إلا طبيب يهودي أو نصراني يوكل إليه علاج المسلمين والمسلمات، وبينوا أن الإحاطة بعلم الطب وسد حاجة أهل البلد من هذا التخصص تعد من فروض الكفايات، وهكذا في كل نظير من العلوم) (المصدر السابق، ص 80) .
الدور التربوي للمدرسة:
المدارس خاصة -والمؤسسات التعليمية عامة- هي الضلع الرابع المكمل للعملية التعليمية بعد المعلم والطالب والمنهج الدراسي، حيث يلتقي فيها المعلم مع الطالب ليعلمه المنهج الدراسي المطلوب تعليمه له، وهدف المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- لا ينبغي أن يكون قاصرًا على الجانب التعليمي التثقيفي فحسب، ولا تقاس درجة نجاح المدرسة بما تحققه من نتائج ونسبة نجاح مرموقة فقط دون نظر إلى ما تقدمه وتقوم به من جوانب تربوية.
(لقد حكم التربويون على المؤسسة التي تقصر رسالتها على تحقيق هذا الجانب بالإخفاق والفشل، جاء في كتاب (دراسات في أصول التربية): (انتقد روبرت دريبين الفكر التربوي التقليدي الذي حصر فهمه للمدرسة كعملية تدريس، تنصب أساسًا على الجوانب المعرفية، واعتبر هذا الفهم فهمًا جزئيًّا، وغير شامل لكل جوانب التعليم المدرسي، فالجانب المعرفي ليس هو الجانب الأهم في عمل المدرسة، فمن الممكن للتلاميذ (صغارًا وكبارًا) أن يصلوا إلى المعارف والمعلومات حتى في مستوياتها العليا من مصادر خارج المدرسة، مثل: وسائل الاتصال والسفر، والرحلات والمتاحف والمكتبات، أو بالاتصال الشخصي المباشر مع الآخرين، فمن الصعب أن تعتبر المدرسة هي المصدر الوحيد في هذا الجانب (إمداد التلاميذ بالمعارف والمعلومات) فغيرها من المؤسسات الاجتماعية يمكن أن يشترك معها في هذه الصفة).
ويضيف قائلًا: (إن فترة المدرسة بالنسبة للتلاميذ هي فترة انتقال من عالم الأسرة إلى عالم الكبار، وفي عالم الأسرة تقدم العلاقات على الشعور والعواطف المتبادلة بين أفراد الأسرة، ولكن في عالم الكبار فإن العلاقات منظمة ورسمية وغير شخصية، تقوم على مستوى الأداء والكفاءة، والمدارس تنقل الصغار من العلاقات العاطفية والشخصية للأسرة وتعدهم في عالم الكبار) (المصدر السابق، ص 83 - 84 نقلًا عن: دراسات في أصول التربية، ص 199 - 202 بتصرفٍ، د. محمد قمير وآخرون) .
إن أهمية المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- والتي ينبني عليها خطورة دورها ترجع إلى:
1- إنها البيئة الاجتماعية التي تناسب كل فرد حسب سنه، فهو يلتقي مع أقرانه ورفاقه، ومِن خلال هذا الاحتكاك يمكن غرس القيم الخلقية ذات الطابع الاجتماعي في نفوس الدارسين، كالتعاون وأداء الواجب وتحمل المسئولية، والحرص على استثمار الوقت، وغير ذلك.
2- إنها البيئة الخصبة لاطلاع الدارسين على قيادات وقدوات حسنة تتمثل في أستاذتهم والقائمين على تربيتهم، وذلك من شأنه أن يكسبهم أخلاقًا كريمة، ويزودهم بالكثير من خبرات الحياة.
3- تزويد الدارسين بالمعارف والعلوم المتنوعة التي تناسِب قدراتهم وأعمارهم؛ مما يعينهم على النهوض بأنفسهم ومجتمعاتهم (راجع المصدر السابق، ص 81 -82) .
إن المؤسسات التعليمية أصبحت في العصر الحاضر أكثر تأثيرًا من البيت والأبوين؛ نتيجة الضغوط الاقتصادية التي لا يخلو بيت منها، والذي معها يضطر الأب -بل والأم- إلى بذل المزيد مِن الجهد والوقت خارج البيت لتحصيل لقمة العيش أو تحسين دخل الأسرة أو سد احتياجاتها.
وكذلك فإن وسائل الإعلام والاتصال المختلفة سارت تشغل الآباء -بل والأمهات- عن أبنائهم، ومن هنا أصبحت المؤسسة التعليمية صاحبة التأثير الأكبر في تشكيل الأبناء وتربيتهم، فتكون نشأتهم بحسب نوعية التعليم والتربية التي يتلقونها فيها.
المدرسة في النظام الإسلامي:
المدرسة -أو المؤسسة التعليمية- في نظام التعليم الإسلامي لها دورها الكبير تعليميًّا وتربويًّا ودينيًّا، أي أنها تغطي إلى جانب التعليم والتثقيف جوانب أخرى، منها:
1- المحافظة على الالتزام داخل المؤسسة التعليمية، فيكون المدرسون والمدرسات قدوة لتلاميذهم، مع التزام المؤسسة بالفصل بين البنين والبنات بحيث يكون لكل نوع منهما مدرسة تخصه.
2- العمل على إعداد مكان مناسب للصلاة والوضوء، وتنظيم الأوقات لتتفق مع مواقيت الصلاة، ومبادرة الأساتذة لمشاركة تلاميذهم وطلابهم في القيام بهذه الفريضة.