مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (33) آيات من القرآن في ذم القسوة (11)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ثم نقل كلام القاضي عياض -رحمه الله- في "الشفاء"، قال القاضي عياض: "فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل الحديث مأخذين؛ أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه، أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يُخرِّجْه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسندٍ سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي؛ حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادى قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سِنِة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسهى، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما عرضها على جبريل؛ قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأها، فلما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك قال: والله ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يُسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال -فيما أحسب- (الشك في الحديث) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان بمكة وذكر القصة، قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسنادٍ متصلٍ يجوز ذكره إلا هذا، وذكر ما ذكره ابن كثير.
قال: فقد بيَّن لك أبو بكر -رحمه الله- أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار -رحمه الله-.
والذي منه في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ: والنجم وهو بمكة؛ فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس؛ هذا توهينه من طريق النقل.
فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته -صلى الله عليه وسلم- ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن؛ حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من القرآن ما ليس منه؛ حتى ينبهه جبريل -عليه السلام-، وذلك كله ممتنع في حقه -صلى الله عليه وسلم-، أو يقول ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- من قِبَل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله.
وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته -صلى الله عليه وسلم- من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدًا ولا سهوًا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (الحاقة:44-47) ، وقال الله -تعالى-: ( وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:74-75).
ووجهٌ ثانٍ وهو: استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا؛ وذلك أن هذا الكلام لو كان كما رُوي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا مَن بحضرته مِن المسلمين وصناديد المشركين ممَن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل؛ فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه؟!
ووجه ثالث: أنه قد عُلم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي -صلى الله عليه وسلم- لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد مَن في قلبه مرض ممَن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحكِ أحدٌ في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة، وكذلك ما روى في قصة القضية، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمُعادي حينئذٍ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة؛ فدل على بطلانها واجتثاث أصلها، ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على مغفلي المحدثين؛ ليلبس به على ضعفاء المسلمين.