شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (33) آيات من القرآن في ذم القسوة (11)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

ووجه رابع: ذَكَر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:73-75) ، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله -تعالى- ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمون هذا ومفهومه أن الله -تعالى- قد عصمه مِن أن يفتري، وثبَّته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا؟! وهم يرون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "افتريت على الله وقلت ما لم يقل!" وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح؛ فكيف ولا صحة له؟! وهذا مثل قوله -تعالى- في الآية الأخرى: ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ) (النساء:113) .

وقد رُوِي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كل ما في القرآن كاد؛ فهو ما لا يكون.

قال القاضي: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل؛ فما فعل ولا كاد أن يضل، وقد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير أخر، ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله برد سفسافها، فلم يبقَ في الآية إلا أن الله -تعالى- امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار، وراموا من فتنته، ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته -صلى الله عليه وسلم- وهو مفهوم الآية.

وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح -وقد أعاذنا الله من صحته-، ولكن على كل حال؛ فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين".

قال الألباني -رحمه الله-: فذكر هذه الأجوبة وضعفها كلها؛ إلا الأخير منها؛ فإنه استظهره ورجحه، وهو الذي أجاب به ابن العربي في ما تقدم من كلامه أن الشيطان هو الذي ألقى ذلك في سكتة النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الآيتين محاكيًا نغمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأشاع ذلك المشركون عنه، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققه من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذم الأوثان وعبادتها على ما عرف منه، وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا، قال: "إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماء المشركين وقلوبهم".

قال الألباني: قلتُ: "ونحوه من رواية عروة، وإن كان في آخرها ما يخالف هذا؟".

قال القاضي عياض: "ويكون مرويًا من حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الشائعة والشبهة، وسبب هذه الفتنة". انتهى كلام القاضي عياض، وهو جدير بالقبول، محفوف بالتوفيق.

الصفحة السابقة