الفساد (62) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد أن بيَّن د. طلعت عفيفي -وهو وزير سابق للأوقاف المصرية، ورئيس سابق أيضًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- معالم التعليم في النظام الإسلامي في كتابه القيم: (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام)، عمد في الفصل الثالث والأخير من الكتاب إلى تقديم رؤية نقدية من منظور إسلامي -ومن الوجهة الموضوعية أيضًا- للوضع القائم للتعليم في البلاد الإسلامية عامة وفي مصر خاصة، وهي رؤية تبيِّن بجلاء كيف أن التعليم وفقًا للرؤية الإسلامية للعلم والتعليم صار غريبًا كغربة الإسلام، بل إن (مِن أبرز المجالات التي تظهر فيها هذه الغربة) -يعني: غربة الإسلام- (ويتجلى فيها الابتعاد عن منهج الإسلام في واقعنا: هو مجال التعليم) (المصدر السابق - ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة - 1433 هـ - 2012 م، 89) .
ومما ذكره مِن مظاهر ابتعاد واقع التعليم عن الإسلام:
1- أن صار التعليم من أجل الدنيا فقط:
قال د. طلعت عفيفي: (لقد بات التعليم في حسِّ الأستاذ والطالب على السواء، وسيلة يُستعان بها على تحصيل الكسب، وخرج عن كونه رسالة، وبدلًا من أن يدل الناس على الله أضعفَ إيمانهم، وشجعهم على الجهر بمعصية خالقهم، والتمرد على شريعته، وسُخرت كثير من نتائج العلم لتحطيم البشرية بدلًا من نفعها. ولم ينشأ هذا الوضع المأساوي من فراغ؛ وإنما بسبب تخلي المسلمين عن التمسك بما تمليه عليهم شريعة ربهم من تطويع التعليم لتحقيق الصلة بدينهم واعتمادهم الكلي على مناهج وأساليب غير المسلمين في التعليم من حيث أسلوب التعليم وأسماء الشهادات وسنوات الدراسة، والحياة داخل المؤسسة التعليمية وضروب الثقافة التي يتلقونها، إلخ، وقد كانت النتيجة لذلك كله أن نشأت أجيال لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، واستخدم العلم لأغراضٍ أبعد ما تكون عن الإسلام كما بينا منذ فليل).
ويضيف: (ساعد على لجوء المسلمين إلى غير المسلمين واستيرادهم لمناهجهم في التعليم وغيره، ما أصاب المسلمين في الفترات الأخيرة من تخلفٍ حضاريٍ في حين قفزت الحضارة الغربية قفزات هائلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا فدفع ذلك كثيرًا مِن المثقفين إلى إعلان إعجابهم بتلك الحضارة ودعوتهم إلى استيراد كل ما فيها دون تمييز بين ما هو طيب وما هو خبيث، وقد ترتب على ذلك أن أضاع المسلمون دينهم بالتخلي عنه، وضاعت معهم دنياهم فبقوا كما هم متخلفين).
وقال: (اكتساب الإنسان ما يقوم به معيشته من خلال شغله بالتعليم ليس عيبًا في ذاته، ولكن قصر التربية عليه يضيق من آفاقها ويحول بين الإنسان وبين الرقي الخلقي والحضاري، ويجعله عبدًا لشهواته وغرائزه، في حين أن المرء إذا احتسب عمله لوجه الله نال عليه الثواب من الله، وحصل عليه الأجر الدنيوي دون نقصان) (المصدر السابق، ص 89 - 90) .
2- ضعف الاهتمام باللغة العربية وعلومها:
قال د. طلعت عفيفي: (يشير الأدباء والنقاد إلى أن اهتمام الشعوب بلغاتها دليل على رقيها وحضارتها، وإهمالها دليل على انحطاطها وذلتها. قال مصطفى صادق الرافعي: (ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار) ويضيف قائلًا: (وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدِّم لغة غيرها على لغة نفسها).
ويؤكد الرافعي على أن الخطوة الأولى نحو استعمار الشعوب وقطعها من جذورها الأولى إنما يكون عن طريق إبعادهم عن لغتهم، فيقول: (لا جرم أن كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين، فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا مِن لغته؛ إذ يكون منشأ التحول مِن أفكاره وعواطفه وآماله، وهو إذا انقطع من نسب لغته انقطع مِن نسب ماضيه، ورجعت قوميته صورة محفوظة في التاريخ، لا صورة محققة في وجوده، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر) (راجع: "من وحي القلم" للرافعي، ط. المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة ط. السادسة - ص: 36، 38) .
وقال د. طلعت عفيفي: (فإذا جئنا إلى اللغة العربية -لغة القرآن والإسلام- رأينا الدول الإسلامية غير الناطقة بها لا تعطيها أدنى قدرٍ مِن الاهتمام في مناهجها أو مدارسها، وفي البلاد الإسلامية الناطقة بالعربية قلَّ مَن يستطيع أن يتحدث بالفصحى دون خطأ أو لحن، فالمناهج دون المستوى المؤهل لذلك، ويشيع على الألسنة أن اللغة العربية معقدة وصعبة! ومدرس اللغة العربية لا ينال من الاحترام ما يناله غيره.
وبقدر ما تحتقر اللغة العربية في بلادها، تسمو اللغات الأجنبية وتعلو وترتفع الأصوات منادية بضرورة تعلمها باعتبارها لغة الحضارة، ويتم توفير كل السبل المعينة على تحقيق ذلك، فالمعاهد المتخصصة في تعليم اللغات الأجنبية تمتد في طول البلاد وعرضها، والوسائل السمعية والمقروءة والمرئية لنشر هذه اللغات تباع بأبخس الأثمان، إلخ، ويتم ذلك كله على حساب اللغة العربية التي يزداد نفور الطلاب منها ومِن كل ما يمت لها بصلة، في حين يحبون اللغات الأجنبية ويزداد تعلقهم بها!
وفي مجال الأدب: فتح المجال على مصراعيه للأدب الحديث، والذي يقل جزالة وروعة وفخامة أسلوب عن الأدب القديم، وفي ذلك ما فيه من بتر الأمة عن جذورها وإضعاف لغة المعاصرين، وفي الوقت ذاته تعالت أصوات تنادي بفصل الأدب عن الدِّين والأخلاق، وتسربت هذه الأفكار المسمومة إلى مناهج الدراسة، فغدا بعضها حربًا على الأخلاق، ودعوة إلى التحلل وعدم الالتزام) (راجع المصدر السابق، ص 91 - 93) .
3- تشويه دراسة التاريخ:
قال د. طلعت عفيفي: (على الرغم من أهمية تلك الدراسات -يعني الدراسات التاريخية- في بيان سنن الله في خلقه وما يمكن أن تحدثه من تغيير في النفوس عندما تعرض عليها بأسلوب تربوي خلقي، نجد هذه المادة قد عبثت فيها الأيدي بما جعلها أداة هدم لا أداة بناء، ففي هذه المادة يتم التركيز على إحياء التاريخ القديم السابق على الإسلام كتاريخ الفراعنة والآشوريين والكنعانيين والفينيقيين وغيرهم بصورة براقة تغري بمعرفتها وتعمل على نشرها وإذاعتها، مما يجعل المسلم مذبذبًا بين دينه وبين تلك الحضارات.