الفساد (62) ضرورة صبغ التعليم بصبغة عربية إسلامية (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويضيف قائلًا: (مما يذكر أنه في الوقت الذي نحاول فيه نحن أن نهمش مادة الدين ونضعف أثرها في ذاته، وفي مد ظلالها على سائر المواد، بدأ الباحثون في الغرب يدركون أهمية تخلل الدين وتعاليمه في شتى المناهج عندما نظروا فوجدوا أن العلوم البحتة والنظريات المجردة التي تخاطب العقل لا يمكنها تحريك الوجدان أو الضمير، بينما يخاطب الدين فطرة الإنسان، ويربط توجهاته بسلوك عملي تطبيقي يظهر على أرض الواقع، وفي هذا يقول أحد علماء التربية المرموقين وهو (جيمس دوس): (إن الدين شيء يؤثر قبل كل شيء في الشعور والإرادة، وفي الوجدان والنزوع).
وبيَّن أن مادة التربية الدينية يجب أن تكون صبغة المواد التعليمية كلها، فقال: (إن من السخرية حقًّا أن نضع في الجدول الدراسي مادة اسمها الدين، ثم نغمض أعيننا في اطمئنان، ونروح في سبات عميق كأننا قد أدينا مهمتنا! لا ينبغي أن نقنع بأن يكون الدين مادة إلى جانب المواد الأخرى، بل أن يكون روحًا فياضة في قوة وتوثب، يطبع المنهج كله والحياة المدرسية والعمل المدرسي بجميع جوانبه ومجالاته، بحيث تتهيأ الفرص الطبيعية المواتية لتلاميذه حتى يشبوا وهم يقدمون خضوعهم وولاءهم لله من تلقاء أنفسهم، وعن طيب خاطر) (انتهى) .
وفي أمريكا قررت لجنة السياسات التعليمية وجوب تخلل القيم الخلقية والدينية جميع جوانب المنهج، وإدخالها في الحياة الكلية للمدرسة كجزءٍ حيوي من أجزاء البرنامج الدراسي كله، وفي خطوة عملية تطبيقية في الولايات المتحدة لهذه الآراء نجد (جيمس كونانت) رئيس جامعة هارفارد 1978 م - 1983م يلج بوابة التربية من عالم الكيمياء مجال تخصصه الدقيق ليترك -منطلقًا من تخصصه الكيميائي- مشاريع تربوية علمية تبنتها الحكومة الأمريكية) (راجع المصدر السابق، ص 96 - 98) .
(للاستزادة راجع: نظرة في مناهج التربية الإسلامية بالتعليم العام، د. محمود كامل الناقد -بحث مقدم إلى ندوة أسس التربية الإسلامية بمكة المكرمة عام 1400 هـ - 1980 م، ومقال: الجامعة في مجهر القراءة المعاصرة، د. مصطفى السيد - مجلة البيان - العدد 40 - ذو الحجة عام 1411 هـ - 1991 م، ص 54).
وختم د. طلعت عفيفي رؤيته تلك للتعليم في بلاد العالم الإسلامي عامة ومصر خاصة بقوله: (وقد ترتب على تلقي المسلمين للعلوم على هذه الطريقة جملة من السلبيات، نلخصها فيما يلي:
1- الجهل المطبق بتعاليم الإسلام، وإعادة تشكيل العقول المسلمة وفق مبادئ الغرب وقيمه.
2- فقدان المسلم الولاء لدينه وأمته.
3- زعزعة الوحدة بين المسلمين في مظهر مهم من مظاهرها وهو الفكر) (المصدر السابق، ص 99) .
وقد رصد ذلك وعبر عنه في كلماته -ومن سنوات طويلة- العديد من الباحثين المسلمين وغيرهم، تأكيدًا على ذلك وإشارة إليه، ومن ذلك: قول العلامة أبي الحسن الندوي -رحمه الله- في كتابه: (نحو التربية الإسلامية في الحكومات والبلاد الإسلامية) ط. مؤسسة الرسالة -بيروت- حيث قال: (... فكان غاية ذلك بعد مدة قليلة فوضى فكرية هائلة واضطراب، وتناقض في الأفكار والآراء، وشك وارتياب في الدين واستخفاف بفرائضه وواجباته، وثورة على الآداب والأخلاق، وضعف وانحطاط في الأخلاق والسيرة، وتقليد للأجانب في القشور والظواهر، وتبذير للأموال، إلى غير ذلك، مما أصبح به هذا الجيل كلًّا على الآباء وعلى الأمة، وجرثومة الفساد في جسمها، ونقطة الضعف في مركزها، وذلك شيء طبيعي لا يستغرب وجوده، وإنما يستغرب عكسه، والشجرة لا تلام على ثمرتها) (المصدر المذكور، ص 9 - 10 بتصرف يسير) .
وقال أبو الفتوح رضوان في مقال له بعنوان: (فلسفة الجماعة وسلوك الأفراد) بمجلة مرآة العلوم الاجتماعية العدد الخاص بالتربية العربية في يونيو 1958 م ص 157: (إن المواطن العربي الذي تعلم في المدرسة يعرف عن روسو أكثر مما يعرف عن ابن خلدون، وجيبون وماكولي أكثر من الطبري وابن الأثير، وعن نابليون بونابرت أكثر من ابن الهيثم، وعن ماجلان أكثر من الإدريسي، فمن أين يأتي شعوره بدينه وولاؤه له وإيمانه به؟!).
بينما يشير المستشرق (هاملتون جب) إلى أثر التعليم المعاصر في زعزعة الوحدة الفكرية بين المسلمين بقوله: (إن أولى النتائج التي نجمت عن الغزو الفكري أنه زعزع فكرة أن العالم الإسلامي وحدة ثقافية واحدة، وتسيطر عليه تقاليد واحدة؛ حقًّا لقد بقيت رابطة العطف والماضي المشترك، والعقيدة المشتركة، ولكن امتزاج الأفكار المأخوذة من الغرب بدرجاتٍ متفاوتةٍ كان قد بدأ ينزع إلى كل مملكة من الممالك الإسلامية).
وعلَّق د. طلعت عفيفي على ذلك يقوله: (والخلاصة: أن التعليم المعاصِر أفسد البناء الذاتي والاجتماعي للمسلمين، فعميت أبصارهم عن محاسن دينهم، وتخيلوا مركب الإنقاذ بيد الغرب، فألقوا إليه بثقلهم وولوا وجوهم شطره، فضاعت كرامتهم، وسقطت هيبتهم وتفرَّق جمعهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (مدخل إلى التعليم في ضوء الإسلام، ص: 101) .
وختم د. طلعت عفيفي كتابه بقوله: (وبعد: فقد استهدفت هذه الدراسة التأكيد على الدور المهم الذي يؤديه التعليم في صناعة الأمم، وتشكيل عقلية الأفراد. وقد وضح لنا أن الإسلام لم يكن بمعزل عن هذا المجال المهم، فكانت توجيهاته التي تجعل مِن العلم أداة لنفع البشرية في حاضرها ومستقبلها، لكن المسلمين في إطار التخلف الذي شمل كافة أرجاء حياتهم تخلوا عن منهاج ربهم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وأخذوا مناهج التعليم الغربي على حساب المنهاج الإسلامي، فلم يزدهم ذلك إلا مزيد من التخلف والرجعية. وفي إطار المحاولة للنهوض بالشعوب المسلمة لاستعادة ما كانت عليه من عزٍّ ومجدٍ، يبقى إصلاح التعليم على الأسس الإسلامية هو المفتاح والخطوة الأولى الصحيحة على الطريق.
ولتحقيق هذا الأمل، تبقى الأمانة في عنق الساسة وولاة الأمر لاتخاذ القرارات اللازمة لإصلاح ما في التعليم الحالي من اعوجاج، ويليهم في المسئولية مَن يتصدون للعملية التعليمية من خبراء ومفتشين ومدرسين وغيرهم؛ لإعادة صياغة المناهج بما يحفظ للأمة عقيدتها ويصون شريعتها.