سمات البيت المسلم
حسن حسونة • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن جملة نعم الله على عباده: نعمة البيت والسكن؛ إذ له قيمة عالية لا يعرفها إلا مَن فقدها ممن عاش في مكان موحش أو ظلمات سجن أو تاه في شارع أو برية؛ لذا امتن الله بهذه النعمة على عباده في سورة النحل: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا ) (النحل:80) .
وإذا أردت أن تعاقب أحدًا فمِن جملة وسائل العقاب الحرمان من البيت وإخراجه منه، وقد أخبر الله عن بني إسرائيل في معاقبتهم بذلك إذ امتنعوا عن الجهاد في سبيل الله فقال: ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) (المائدة:26) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، فعاقبهم الله بالحرمان من المأوى والمسكن" (تفسير ابن كثير) .
ومِن جملة أدلة ذلك أيضًا: القرار الذي خرج به كفار قريش للقضاء على دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومنها: الإخراج بالنفي من البيت ومكة بأسرها: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) (الأنفال:30) ، فأصعب شيء أن يتيه الإنسان، ولا يكن له مأوى ولا مسكن.
والبيت لبنة المجتمع وحصنه الداخلي، فلابد أن يقوى هذا الحصن ليعطي مددًا للمجتمع في قوته وصلاحه، فإن كان القلب مادة حياة الجسد وصلاحه، فكذلك البيت القوي النابض الحي مادة قوة المجتمع وصلاحه، وهذا البيت إما أن يكون حيًّا أو ميتًا كما وصف ذلك الحبيب مثل الببت الذي يذكر فيه الله، والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت.
تأمل الحياة في البيت بذكر الله وطاعته والقرب من الله، والموات بضد ذلك؛ فيصبح البيت مرتعه للشياطين من الإنس والجن بين مزامير الشيطان، والكذب والزور والبهتان مِن: أفلام ومسلسلات هابطة وأغانٍ ماجنة، واختلاط وخلوة محرمة، ودخول حابل ونابل على النساء بلا ضابط ولا رابط، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك فقال: ( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: ( الحَمْوُ المَوْتُ ) (متفق عليه) ، أي مِن هنا يأتي الموت فيحصل ما لا يحمل عقباه؛ لأن هؤلاء عندهم حصانة يدخلون بها ويخرجون، ومع كثرة المساس تفقد الإحساس، فتأتي البلية التي لا يتحملها الإنسان، وهناك وقائع شاهدة على ذلك؛ هذا هو البيت الميت البعيد كل البعد عن منهج الله ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) (الزخرف:36) ، يقارنه ويلازمه، ولا يفارقه -عياذًا بالله-.
البيت أمانة يتحملها الزوج والزوجة، والكل قائم على ثغر عظيم من ثغور الدين لا بد أن يقوم عليه، ولا يلقي بالتبعة على صاحبه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) (التحريم:6) ، وفي الصحيحين: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (متفق عليه) ، فلا بد مِن الانتباه لا تشغلنا أعباء الحياة والسعي في أمور الحياة أن ننسى بيوتنا وقلعتنا الداخلية.
البيت المسلم له سمات وعلامات إن حققها رفرفت وزفت له السعادة في الدنيا على ما لهما من الخير في الآخرة ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ) (آل عمران:30) .
السمة الأولى: يتمتع أفراد هذا البيت بالرضا عن الله وعن رسول الله، وعن دين الإسلام ليتحقق لهم: ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) (رواه مسلم) ، فهم راضون بكل ما جاء عن الله ورسوله من أوامر ونواهٍ، وأحكام شاملة كاملة؛ فيرضى بالله حكمًا عدلًا مقسطًا، وبشريعة الإسلام حاكمة في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، ويحقق أفراد البيت الغاية التي من أجلها خلقنا الله العبودية الحقة القائمة على توحيده وعدم الشرك به.
السمة الثانية: تعاون أهله على طاعة الملك فضعف إيمان الزوج تقويه الزوجة، واعوجاج سلوك الزوجة يقومه الرجل ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة:71) ، وهذا في ظل حب ودفء ورأفة وخوف كل واحد منهما على الآخر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ) (رواه أبو داود والنسائي، وقال الألباني: حسن صحيح) ، وهذا إما دعاء أو إخبار من النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذين الزوجين أنهما مرحومان من الله أو دعاء لهما، فكل واحد من الطرفين عليه دور في إصلاح صاحبه.
السمة الثالثة: أسرار هذا البيت محفوظة وخلافاته مستورة، لا تفشى ولا تستقصى، فالزوج لا يفشي سر زوجته عند أقاربه ولا بين أصدقائه، وواقعنا يشهد أن هناك مِن الرجال مَن يتباهون بإفشاء هذه الأسرار حتى في أدقها مع زوجته، ويرى أن ذلك من كمال الرجولة والفحولة، ولربما يصف العلاقة الخاصة ويصف زوجته أمام أصدقائه، ولا شك أن ذلك خطر مميت، وكذلك المرأة لا تفشي سر زوجها عند والدتها وأخواتها وصديقاتها، ولا تكترث ولا تبالي، فهذه خيانة عظيمة، بل لا بد من الأسرار أن تكون أسيرة البيت، محبوسة بين الجدران في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ) (رواه مسلم) ، وتأمل جيدًا شر الناس منزلة، أي: درجة وحالة؛ فهذا الأمر ليس بالسهل والهين؛ لأنه من أعظم أسباب الهدم في البيوت.