شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأردوغانيون... أوهام تفسد أديانًا وتحرق أوطانًا! (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

واقع العالمانية التركية:

تركيا تكاد تكون الدولة الإسلامية الوحيدة التي تنص في دستورها وفي مناهج تعليمها على العالمانية.

وشخصية "أتاتورك" زعيم العالمانية في العالم الإسلامي فوق مستوى النقد، ويجب على الرؤساء أن يمتدحوه ويزوروا قبره خاشعين خاضعين!

و"أردوغان" يفعل هذا.

والتطبيق الفعلي للعالمانية في شق تخلي الدولة عن أداء أيِّ دور أخلاقي يتجاوز التطبيق الموجود في كثيرٍ مِن الدول الأوربية التي لا زال عندها تجريم خرق النظام العام.

ومسيرة "سنيوة" للشواذ السنوية تتم في حراسة الشرطة، وكانت في هذا العام وقت كتابة هذه السطور، ونشرت قناة الجزيرة تقريرًا عنها، (وبالطبع الجزيرة موالية لتركيا، وبالتالي: فنقلها هنا لا يمكن أن يقال: إنه مكايدة إعلامية)، وجاء في هذا التقرير: أن التهديد الذي تخشى منه المظاهرات هم: "المتشددون".

وفي تركيا يعتبر الزنا حرية شخصية، وهو أمر ما زالت تعاني منه معظم الدول الإسلامية للأسف؛ إلا أن تركيا تزيد على هذا بمراحل في السماح بالدعارة، والاستعلان بها وتقنينها، والخمور هناك تُباع كما تُباع المياه الغازية، وكذلك صالات القمار مسموح بها!

ورغم وجود هذه القضايا في معظم بلاد المسلمين؛ إلا أنك في تركيا تجد الصورة الأكثر فسادًا واتساعًا، نسأل الله أن يطهِّر كل بلاد المسلمين مِن كل ما يخالف شرعه.

الإصلاحات الأردوغانية لم تقترب مِن العالمانية كفكرةٍ ولا مِن شيءٍ مِن تطبيقاتها، ولكن منحت حرية التدين مع كل هذا الفساد الذي كانت تركيا تأن منه منذ عهد أتاتورك تحت مسمى: "الحرية"؛ فإنها كانت في قمة القهر ضد أي مظهرٍ مِن مظاهر التدين؛ مثل كتاتيب تحفيظ القرآن، والحجاب، وغيرها.

حتى جاء "أربكان" (الذي يحلو لأنصار أردوغان أن يحذفوا جهوده من التاريخ مجاملة لأردوغان)، ثم جاء مِن بعده "أردوغان"، وتمت إصلاحات على يد كلٍّ منهما.

ولكن مِن الجدير بالذكر: أن أردوغان لم يخالف العالمانية قط شكلًا ولا موضوعًا، وإنما ينص في كل مناسبة هو ورجال دولته على أن: تركيا دولة عالمانية، وهو دائم الزيارة لقبر أتاتورك؛ يزوره خاضعًا مطأطئ الرأس مع الإدلاء بأحاديث الثناء على (مُسقِط الخلافة، وواضع النموذج العالماني الأكثر تطرفًا في العالم الإسلامي!).

إلا أن أردوغان في المقابل: أعطى الحرية لبعض مظاهر التدين من منطلق الحرية، ولا أظن أن ثمة عاقل يمكن أن ينازع في أن العالمانية التي تسمح بالعري والحجاب معًا هي (أهون شرًّا) من العالمانية التي لا تسمح إلا بالعري؛ ولكنها تبقى في النهاية عالمانية، وتبقى حُكمًا بغير ما أنزل الله.

الدولة التركية تمثِّل صورة مِن أوضح صور الحكم بغير ما أنزل الله؛ دستورًا وقانونًا، وتعليمًا وإعلامًا (الكل يقرر أن العالمانية مِن ثوابت المجتمع والدولة).

ولستُ بصدد النزاع أن تلك الصورة (الأردوغانية الأتاتوركية) هي أقل شرًّا من الصورة (الأتاتوركية الخالصة)؛ ولكن النزاع مع مَن يرى: أن تركيا كدولةٍ قد صارتْ في ظل حكم أردوغان أفضل (من الناحية الشرعية) مِن بلادٍ تنص دساتيرها على وجوب تطبيق الشريعة، وتلتزم ألا تصدر قانونًا إلا إذا وافق الشريعة، ولكنها تعاني من موروث لم تغيره - وهو قول لا أظن أنه يصدر عن عاقلٍ إن سَلِم مِن الهوى.

ولكن السؤال الآخر:

هل فعل أردوغان كل ما عليه؟

أم هل له عذر في أن تكون السلطة التنفيذية -التي هو على رأسها- هي مَن تصدر تصاريح البغاء، وتوفِّر لهن الحماية، إلخ؟!

الإجابة عند الأردوغانيين (أعني بهم: الإخوان والسروريين، ومَن دار في فلكهما) هي: الرجل يعاني مِن الجيش العالماني، ومِن الدولة العميقة العالمانية، ولا يمكنه إلا هذا القدْر.

ولستُ هنا بصدد مناقشة هذا الكلام؛ لأنه على الأقل منسجم مع بعضه البعض؛ ولكن لنتذكر جيدًا أن أصحاب هذا الفرض يقررون أنه لا يمكن المساس بالعالمانية دستورًا ولا قانونًا، ولا تعليمًا، ولا إعلامًا، ولا تصريحات حكومية، ولا إخلالًا بتبجيل أتاتورك، وأي خلل في أي جزئيةٍ مِن هذه؛ فالجيش العالماني والدولة العميقة تقف بالمرصاد.

إذًا الجيش والدولة العميقة في تركيا يريدان العالمانية الأتاتوركية الفجة، وأردوغان أضاف إليها شيئًا من المواءمة بين الفساد والصلاح.

ومِن جملة عالمانية الجيش والدولة العميقة في تركيا: أنهم بلا شك يريدون "تركيا للأتراك"؛ الشعار الذي أطلقه أتاتورك، وأنهم لا يطيقون سماع كلمة "الخلافة".

فلنحفظ هذا جيدً؛ أن هذا هو وصف (الأردوغانيين) للداخل التركي؛ ولكن يبقى السؤال الذي هو بيت القصيد في مقالتنا:

- ماذا عن تحركات الدولة التركية ضد الأكراد في سوريا؟

- وماذا عن تحركها في ليبيا؟

الأردوغانيون يصفقون لكل هذه التحركات؛ بل بعضهم يريدون مِن المصري أن يتخلى حتى عن خوفه الفطري على وطنه مِن التعرض لاضطرابات على حدود بلده، ويخاطبونه باسم الدين أن يعلن، أو -على الأقل- يبطن تأييد التواجد التركي في ليبيا، على أن هذا هو طريق الخلافة.

حتى وبعد أن عُقدت اتفاقيات بترول وغاز، وقروض دولارية من ليبيا إلى تركيا؛ مما يمكن أن يقال: إنها إجراءات كاشفة عن حقيقة مفادها: أن المصلحة الاقتصادية التركية تمثِّل الدافع الرئيس لهذا التحرك؛ ومع هذا يصر الأردوغانيون على مطالبتنا أن نصفق فرحًا بقدوم قوات الخليفة المرتقب بالقرب من ديارنا!

ونحن نذكِّرهم أولًا بفرضية جوهرية بنوا عليها تأييدهم المطلق لأردوغان كممثل للمنهج الإسلامي رغم مظاهرات الشواذ التي تحميها شرطته، وهي: أن الرجل مستضعف من جيش عالماني ودولة عميقة هم مَن يحمون في الواقع هذا المروق من الدين والأخلاق.

وبعد هذا التذكير نطرح عليهم سؤالًا:

هذان الخصمان اللدودان (أردوغان وقيادة الجيش التركي) أيهما حرَّك الجيوش؟ وأيهما رسم أهداف ذلك التحرك؟!

والإجابة تدور بين احتمالات ثلاثة:

- الاحتمال الأول:

الصفحة التالية