مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (35) آيات من القرآن في ذم القسوة (13)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى- في سورة الحج: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) (الحج:52-55) .
قد تبيَّن لك بما نقلنا فيما سبق من أقوال العلماء المحققين بطلان إسناد قصة الغرانيق واستحالتها شرعًا؛ لمخالفة روايتها الضعيفة المنكرة لصريح القرآن في قوله -تعالى-: ( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا . وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا . إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (الإسراء:73-75) ، فالآية نص أن الله ثبَّت رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلم يركن إليهم، وهم لم يتخذوه خليلًا، وأن المشركين والشياطين لم يتمكنوا من فتنته بعد أن كادوا، فهو -صلى الله عليه وسلم- لم يفترِ قط على الله ما لم يقله، ولم يذقه الله ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات؛ بل نصره الله في الدنيا والآخرة، ويبعثه يوم القيامة مقامًا محمودًا يغبطه عليه الأولون والآخرون.
فبالقطع لم يفترِ على الله غير ما أوحى إليه؛ فضلًا عما ينافيه ويبطله ويثبت الشرك الذي بُعث من أول بعثته إلى وفاته -صلى الله عليه وسلم- في إبطاله.
وأيضًا قال -تعالى-: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (الحاقة:44-47) ، فلم يأخذه الله بالعقوبة بيمينه، ولم يقطع الله -تعالى- منه الوتين؛ وهو حبل الرقبة الذي لو قطع لمات الإنسان من ساعته؛ فتبين أنه لم يقل على الله أي أقاويل من عنده عليه الصلاة والسلام.
أما جواب سؤال: كيف نقل طوائف مِن العلماء مِن أهل السُّنة هذه القصة؟
فنقول: مَن نقلها مع بيان الأسانيد المنكرة فقد بيَّن بطلانها، أما الأسانيد المحتملة ففيها بيان أن هذا مِن إلقاء الشيطان في أسماع المشركين أثناء قراءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الآيات، ولم يقرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا مما سمع المشركون، وليس في هذا ما يخالف شيئًا من القرآن؛ بل فيه فوائد عظيمة نعلم بها خطورة قسوة القلب ومرضه.
فالشيطان يلقي في القلوب القاسية المريضة شُبهًا وضلالات تتعلق بالآيات؛ بل تخالف نصها وسياقها، ونص غيرها من آيات القرآن.
والقلوب الحية ترفض ذلك فورًا وتأباه، وترد الشبهة بنصوص الوحي المنزل، وأما القلوب القاسية والمريضة فتقبله وتنشره، وتذيعه في الناس وتفتن به، وتزداد به مرضًا إلى مرضها؛ لشدة اتباعهم لأهوائهم التي تصوِّر لهم بتزيين الشيطان لهم ذلك أن يوافقهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- والوحي المنزل عليه، على باطلهم وكفرهم.
وقد يصل الأمر أحيانًا -من شدة تركيز فكرهم وخواطرهم في الباطل- أن يتخيلوا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال ما يهوونه، ونطق ما يوافقهم من الكفر والشرك.
ويصيبهم الشيطان بالغفلة عن الآيات التي تلي ما ألقاه الشيطان في أسماعهم، والتي تنسخ وتزيل وتبطل ما ألقاه الشيطان، وما اعتقدوه وما توهموه في قراءة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثل آيات سورة النجم، قال -تعالى-: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى .أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى . أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى . إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى . وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (النجم:19-28) .
فكلها نصوص قاطعة في ذم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وإنكار شفاعتهم، وأنها مجرد ظنون الكفار، واتباعهم لأهوائهم؛ خلاف الهدى الذي جاءهم من ربهم على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأن الملائكة التي زعموا أن أصنامهم صورهم، وأنها بنات الله لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن شاء ويرضى، وهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى من أهل التوحيد، وأسعد الناس بالشفاعة: مَن قال: "لا إله إلا الله" خالصًا من قلبه، وأما المشركون فما تنفعهم شفاعة الشافعين، ثم الملائكة ليسوا إناثًا؛ وإنما هذا مِن كفرهم وكذبهم على الله.
فكيف تقبل القلوب والعقول بعد كل هذا أن يكون في وسط هذه الآيات: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى؟!