مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (35) آيات من القرآن في ذم القسوة (13)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
فما قبلها وما بعدها في بطلان ذلك، وأول السورة في بطلان أن يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الله غير الوحي: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ؛ لا يقبل مثل هذه الكلمات الشيطانية إلا أصحاب القلوب القاسية والمريضة، المليئة بالشبهات والأهواء.
ولا يزال الشيطان يلقي في القلوب القاسية والمريضة نحو هذه الشبهات التي تناقض القرآن، وتجد مَن يقبلها ويفتن بها، ويؤفك بها مَن أُفِك رغم الوضوح الشديد لمخالفتها الوحي.
فلقد كانت الأمم المتقدمة يلقي الشيطان فيما قرأه الأنبياء وكَتَب أتباعُهم من الكتاب المقدس المنزل في وسط الكتابة كتاباتٍ باطلة؛ يكتبها أولياؤه من علماء السوء وأحبار السوء؛ الذين بدلًا من حفظ كتاب الله الذي استحفظوه، وكانوا عليه شهداء؛ كتبوا بأيديهم كفرًا ليس من كتاب الله، ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79) .
وكانوا يلوون ألسنتهم بالباطل لِيُظَن أنه مِن الكتاب، قال الله -تعالى-: ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:78) ؛ نحو ما ينقلونه من اتخاذ الله الولد والصاحبة، وألوهية غير الله وتكذيب الرسل؛ خاصة خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونسبة النقائص إلى الله -تعالى- كالفقر: ( لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) (آل عمران:181) ، والبخل وغل اليدين: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ? غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) (المائدة:64) ، والتعب واللغوب: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ) (ق:38) ، والاستراحة من التعب بعد خلق السماوات والأرض في ستة أيام، والمصارعة مع بعض خلقه، وأن هذا الخلق يغلبه ويصرعه، ولا يتركه يذهب حتى يُنعم عليه بالألقاب، والمرض والرمد، والبكاء والندم، والحزن والصراخ، والموت والصلب، والإذلال والإهانة، والاستغاثة بغيره، وأن يجرده أعداؤه من ثيابه حتى يصلبوه عاريًا كما ولدته أمه بين لصين، وأن يضعوا الشوك على رقبته، وأن يصرخ بصوتٍ عظيمٍ، ثم يُسلِم الروح؛ تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وكذلك نسبة الفواحش وزنا المحارم للأنبياء، كما نسبوا ذلك إلى لوط وإلى داود -عليهما السلام-، وكما نسبوا إلى سليمان -عليه السلام- الشرك والسحر، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، وغير ذلك مما ألقاه الشيطان في كتبهم.
أما كتابنا "القرآن العظيم": فكما عصم الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- من قراءة شيء ليس منه أثناء تلاوته، وأن يتقول على الله بعض الأقاويل، أو أن يركن إلى الكفرة فيوافقهم؛ فكذلك عصم الله الكتاب المكتوب المصحف العظيم من أن يدخل فيه تحريف أو زيادة أو نقصان.
ومَن نسب إليه شيئًا من ذلك، أو نسب إليه الخطأ، أو نسب إليه تغييرًا -كما يزعم الزنادقة المعاصِرون باسم: "التنوير"، ويروِّجون هذه الأفكار-؛ فقد كفر كفرًا أكبر ناقلًا عن الملة، وكذا بعض غلاة الرافضة الذين يزعمون تحريف كتاب رب الأرباب بكفرهم وشركهم، وهؤلاء أيضًا لا نزاع في كفرهم؛ بل ولا في كفر مَن لم يكفرهم؛ لمخالفة المقطوع به المعلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام.
ولكن لا يزال للشيطان جهد وعمل وإلقاء الشبهات في القلوب القاسية في معاني القرآن؛ حتى يزعموا أن تفسيرها يتضمن الكفر الذي يقولون به!
وأعجب العجب: أن يزعم أحد كبار الزنادقة في زماننا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا فسَّر القرآن لا يلزم الأخذ به، ويكون هناك تفسيرات أخرى للقرآن فبعضها أحسن من تفسير الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نزاع في كفر مَن يقول: إن غير الرسول أعلم مِن الرسول بالقرآن، وإن تفسير غيره أفضل من تفسيره؛ لا يقول ذلك مسلم بأي حال من الأحوال، ولكنها الرغبة الجامحة في إفساد مصدر التشريع الأول على المسلمين من حيث الفهم؛ إذ رغبوا قبل ذلك وفتنوا مَن هو مفتون مأفوك صالي الجحيم ممَن قبِل كلامهم في الطعن في السُّنة، وفي حجيتها؛ أقوالًا وأفعالًا، والطعن في سندها، وفي أئمة الحديث الذين رووها، والطعن في فقها وفهمها، والطعن في أئمة الفقه الذين شرحوها؛ ردَّ الله كيدهم في نحورهم، وأبطل مكرهم، وأذلهم في الدنيا والآخرة.