شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (36) آيات من القرآن في ذم القسوة (14)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) (الحج:52-55) .

ولنا عدة أمثلة في إلقاء الشيطان في أفهام القاسية والمريضة قلوبهم حول معاني آياتٍ مِن كتاب الله، تدل وغيرها على عكس ما قالوه وزعموه:

المثال الأول: قوله -تعالى-: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) (الكهف:29) ، ألقى الشيطان في قلب بعضهم وعلى لسانه أن الآية دليل على أن الإسلام كفل حق الردة، وحق الإلحاد والحرية الجنسية؛ أي فعل الفواحش، وحق الشذوذ الجنسي، وأنها حرية مكفولة للإنسان، سبق الإسلام بها العالم الغربي، ونصَّ على ذلك القرآن بهذه الآيات، وأن الدولة المسلمة في تصورهم لا دخل لها بهذه الأمور، وكذا قال الآخر: إن العلمانية لا تخالف الإسلام؛ لأن الدولة تكون على مسافةٍ واحدةٍ مِن جميع الأديان!

ووالله، إن هذا لمَن الكفر البواح؛ تسمية هذه المحرمات حقوقًا، وإثبات كفالة الحرية بهذه الآية الكريمة؛ فتجريم الردة، ووجوب قتل المرتد مجمع عليه بين المسلمين بنص السُّنة المستفيضة المجمع عليها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ بَدَّل دينَهُ فَاقْتُلُوْهُ ) (رواه البخاري) ، والذي فيه نزاع هو المرأة المرتدة، والجماهير -ومعهم نصُّ السُّنة- على وجوب قتلها أيضًا.

قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "وقد وقع في حديث معاذ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أرسله إلى اليمن قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه؛ فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها؛ فإن عادت وإلا فاضرب عنقها" وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع" (انتهى) .

وحروب الردة معلومة في تاريخ الإسلام بالضرورة، وكل أهل الإسلام يمدحون أبا بكر والصحابة معه -رضي الله عنهم- على قتال مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي وأتباعهم من المرتدين، وكذلك مَن عاد لعبادة الأوثان.

وأما الإلحاد ونفي وجود الله فكل الرسل جاءوا بكفر مَن قال به، وكفر فرعون والنمرود الذي حاجَّ إبراهيم -عليه السلام- في ربه معلوم من الدين بالضرورة؛ فمَن سمَّى الإلحاد حقًا، فلا يكون مسلمًا؛ وإن كان بين العلماء نزاع في أن الملحد الكافر الأصلي: هل يُقر بالجزية أم يتحتم قتله؟ فقول مالك -رحمه الله- بقبول الجزية من جميع الكفار الأصليين هو الذي دلَّ عليه الدليل، وذهب الشافعي وأحمد في رواية إلى قبولها مِن اليهود والنصارى والمجوس فقط دون باقي الكفار.

أما حق الإلحاد بعد الإسلام؛ فهذا مِن أغلظ أنواع الردة المُخالِفة لكل الشرائع السماوية، ودعوات جميع الأنبياء، ومخالفة للفطرة الإنسانية بوجود الخالق -سبحانه-.

وأما ما يسمونه بالحرية الجنسية وينادي به الزنادقة في وقتنا هذا، ويرونها العلاج لمشاكل التحرش والاغتصاب، مع أن البلاد الغربية التي أباحتها تتضاعف فيها عمليات التحرش والاغتصاب لملايين الفتيات والنساء، ولو نظرنا إلى قدر التفاعل مع حملة " METOO " في أوروبا وأمريكا، وسقوط براثن الإعلام والفن في هوليود وغيرها في هذه القضايا؛ لعلمنا كيف يسوِّل الشيطان لأتباعه القول بالحرية الجنسية لعلاج التحرش والاغتصاب!

بل علاج ذلك الالتزام بغض البصر وحفظ الفرج والحجاب، قال الله -عز وجل-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:30-31) .

والتربية الإسلامية النقية لمقاومة الشهوة المحرمة، وتوجيه الشهوة الطبيعية إلى أمر الزواج، قال الله -تعالى-: ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (النور:32-33) ، وسنّ العقوبات الشرعية الرادعة عن هذه الفواحش مِن: الحدود والتعزيرات؛ لمقاومة انتشار هذه الجرائم.

الصفحة التالية