شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (36) آيات من القرآن في ذم القسوة (14)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وأما الاستدلال بالآية على أن الإسلام كفل هذه الحريات؛ فهذا هو الضلال المبين، والكفر المستبين، وأغلظ منه: ادِّعاء كفالة حق اللواط والسحاق؛ بل تسمية ذلك حقًا كفر -والعياذ بالله- وتكذيب للقرآن، قال الله -تعالى-: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ . قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ . رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ . فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ . ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:160-175) ، وقال -تعالى-: ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ . وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ . قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ . قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ . قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ . فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) (هود:77-83) .

وقصة قرية سدوم -قرية قوم لوط- ثابتة في التوراة، وهلاكهم يجب التصديق به على اليهود والنصارى، كما يجب على المسلمين؛ لفعلهم فاحشة الشذوذ، والسحاق محرم بإجماع المسلمين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يُفْضِي الرَجلُ إلى الرَجُلِ في الثوْبِ الوَاحِدِ، ولَا تُفْضِي المَرْأةُ إلى المَرْأَةِ في الثوْبِ الوَاحِدِ ) (رواه مسلم) .

وعقوبة اللواط القتل رجمًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ وَجَدتُمُوهُ يَعْملُ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ؛ فَاقْتلُوا الفَاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

وأما السحاق دون إيلاج؛ فليس فيه الحد عند الجماهير وإنما التعزير؛ وإن كان الإيلاج أصبح متصورًا بعد عمليات التحويل الجنسي المحرمة بالإجماع؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ) (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ) ، وفي رواية عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري) .

وقال -تعالى- عن الشيطان: ( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) (النساء:119) ، فيكون القول بوجوب حدِّ الزنا بين الأنثى المتحولة التي صُنع لها ذكر بالجراحة والهرمونات التي تنمي البظر حتى يصير كالذكر، وبين أنثى أخرى طبيعية حدث فيها إيلاج - قول مُتجهٌ؛ بل هو الأقرب.

فالمقصود أن الاستدلال بالآية على إثبات هذه الحريات هو مِن إلقاء الشيطان في نفوس أوليائه قساة القلوب، مرضى القلوب، وهو ما ينسخه الله ويبطله بقوله في الآية: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ) (الكهف:29) ؛ فهو أمر للتهديد والوعيد لا للتخيير، بإجماع أهل العلم.

ولا نزاع بين المسلمين في وجوب دين الإسلام، ووجوب التبرؤ مِن كلِّ دين دون دين الإسلام، والكفر بكل ما يعبد مِن دون الله، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، وقال: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (آل عمران:85) ؛ فليست الآية -بالإجماع المعلوم مِن الدِّين بالضرورة- للتخيير بين الإسلام والكفر، بل للتهديد؛ فكيف يُستدَل بها على الحرية المزعومة؟!

وآيات القرآن في ذكر عاقبة مَن كذَّب الله وكذَّب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكذَّب كلامه وأشرك به، وخلودهم في النار، والحكم بكفرهم في الدنيا؛ يصعب إحصاؤها، وهو -كما ذكرنا- مِن المعلوم مِن الدِّين بالضرورة.

حفظنا الله والمسلمين مِن شرور الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

وفي المرة القادمة -إن شاء الله- مع آية أخرى ألقى الشيطان في قلوب القاسية قلوبهم، والمريضة قلوبهم، ما يخالِف معناها.

الصفحة السابقة