الفساد (63) التربية البدنية والتربية الرياضية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ما ينبغي وما لا يجوز (1-3)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكلمة تربية مأخوذة من (ربا) يربو، بمعنى (نما) ينمو أو يزيد.
ومن معاني التربية: بلوغ الشيء كماله على وجه التدريج، وقد ورد هذا المفهوم للتربية في القرآن الكريم في موضعين، قال -تعالى-: ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (الإسراء:24) ، وقال -تعالى-: ( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) (الشعراء:18) .
(والتربية بوجه عام هي: تشكيل اتجاهات الأفراد وفق قيم معينة وإعانتهم على تكوين النظرة السليمة للحياة، وهي تقترن بالتعليم الذي يصقل ملكات هؤلاء الأفراد وينمي مواهبهم واستعداداتهم في شتى المجالات. والتربية الإسلامية معناها: تنمية ملكات الفرد وقدراته على اختلافها من أجل بلوغ الكمال العقلي والنفسي، وتنمية قدرات المجتمع كذلك من أجل تحقيق تطور أفضل، وتقدم اجتماعي أكمل وفق المبادئ والقيم الإسلامية، ولا يجوز في الإسلام أن تقتصر التربية على تلقين الإنسان المعلومات أو اكتساب المهارات الفنية، وإنما تهدف إلى تهذيب الأخلاق؛ سواء في ذلك أخلاق الأفراد أو أخلاق المجتمع، ومن الواضح أن الاقتصار على العلم المادي وحده ينحرف بالفرد والمجتمعات إلى شرور لا نهاية لها، فلا بد إذًا من أن يقترن التعليم بالأخلاق) (راجع: "التربية على منهج أهل السنة والجماعة" د. أحمد فريد ط. الدار السلفية بالإسكندرية ط. الثالثة 1472 هـ - 2006 م، نقلًا عن مجلة الوعي الإسلامي عدد (93) جمادى الأولى 1409 هـ من مقال بعنوان: "قيم هي أساس التربية"، ص 30 - 31 بتصرفٍ) .
والمقصود بالتربية البدنية: تنمية وتقوية البدن ليكون صحيحًا عفيًّا قادرًا على الأداء والعمل والجد، بينما المقصود بالتربية الرياضية تحقيق هذه التربية البدنية عن طريق ممارسة لعبة (أو رياضة) سواء كانت هذه اللعبة (أو الرياضة) تؤدَّى بواسطة فرد بمفرده كما في رياضة كمال الأجسام، والجمباز، ورمي الجلة، ونحوها، أو كانت هذه اللعبة (أو الرياضة) تؤدَّى جماعيًّا بواسطة فردين اثنين كما في المصارعة والملاكمة أو التنس، أو تؤدَّى جماعيًّا بواسطة فريق من اللاعبين كما في رياضة كرة القدم أو كرة السلة أو الكرة الطائرة ونحوها.
فالتربية الرياضية صورة من التربية البدنية، وإن شئتَ قلتَ: هي وسيلة لازمة لتحقيق التربية البدنية، ولكنها ليست شرطًا لتحقيقها؛ إذ يمكن تحقيق التربية البدنية بدون ممارسة لعبة رياضية فردية أو جماعية، كما كان الحال في الأزمنة السابقة قبل معرفة تلك الألعاب الرياضية واشتهارها، فـ(مصطلح التربية الرياضية يعني تنمية المهارات الخاصة بالألعاب الرياضية، مثل: كرة السلة، وكرة القدم، والجمباز، وخلافه، أما التربية البدنية فهي تنمية الجسم وجعله متناسقًا ومتناسبًا مع العناية به وتدريب عضلاته، والتخلص من السمنة الزائدة، والحفاظ على مرونة المفاصل والعضلات. وبمعرفة الهدف لكل مصطلح نجد أن وجود أحدهما يتطلب الآخر، فلا يمكن أن تحقق أهداف التربية البدنية إلا بملازمة التربية الرياضية، وكذلك تحقق التربية الرياضية أهداف التربية البدنية؛ ولذلك نجد أن التربية البدنية هي الأساس، وهي ضمن تربية الإنسان في جميع نواحيه) (راجع: "الرياضة والأخلاق"، د. منصور مندور ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة - العدد رقم (216) 1434 هـ - 2013 م، ص: 10 – 11) .
وكمال التربية البدنية يكون: بالحرص على التغذية السليمة المناسبة، واتباع العادات الصحية الصحيحة وترك العادات الصحية السيئة، والابتعاد عن تناول ما يضر البدن ويؤذيه، وكمال التربية الرياضية بالتمسك بالأخلاق الرياضية الحميدة، والقيم الاجتماعية النبيلة، وتجنب التعصب والابتعاد عن الأخلاق والممارسات المذمومة.
وعلى عادتنا في عرض ما نتطرق إليه في ملفاتنا، سنتناول أولًا: ما ينبغي أن تكون عليه التربية البدنية والرياضية، ثم نعرِّج إلى ما في واقعنا المعاصر من سلبياتٍ ظاهرةٍ في مجال الرياضة، هي صور من الفساد التي يوقع الخلل في المجتمع، ويأخذه بعيدًا عما يجب أن يكون عليه.
أهمية التربية البدنية:
التربية البدنية مهمة في حياة الإنسان كالتربية العقائدية، والتربية الإيمانية، والتربية الفكرية، وللتربية البدنية أهميتها في قدرة الإنسان على القيام بأعباء الحياة ومتطلباتها والعمل الجاد فيها، فقدرة العقل والبدن على العمل بكفاءة متعلقة بصحته وعافيته، فحياتنا الدنيوية أشبه بطريق والبدن هو المركبة التي نسير بها عليه، وقطع هذا الطريق متوقف على سرعة هذه المركبة، وهذه السرعة متوقفة على قوة وسلامة هذه المركبة، فإن ضعفت هذه المركبة على السير لعدم الاهتمام بها وصيانتها عجز الإنسان على قطع الطريق المطلوب منه قطعه في حياته الدنيوية، فصارت (العين بصيرة واليد قصيرة) -كما يقولون-.
قال الدكتور بدير محمد بدير: (وتهدف الرياضة إلى تنمية اللياقة البدنية والنمو الجسمي للشباب بما يكسبهم درجة عالية من التحمل لمشاق العمل ومقاومة الإجهاد والتعب، وكذلك استثمار أوقات الفراغ فيما يوظف طاقات الشباب ويعمق في نفوسهم معاني الشجاعة والإقدام، فيكونوا قادرين على حماية مجتمعهم من الفساد والتحلل، ووطنهم من الغزو بأنواعه، ويقاس على ذلك أنواع الرياضة المستخدمة التي تربي أجسام الشباب وتزيدها قوة ومتانة على هدي أوامر الإسلام، في أوقات الرياضة، وتعلم أنواع الرمي المختلفة واستخدام أنواع الأسلحة المتعددة، وقيادة الطائرات، والسفن الحربية، وكل ما يتعلق بالإعداد الجسمي والنفسي والميداني للشباب) (منهج السنة النبوية في تربية الإنسان، توزيع مكتبة الدعوة الإسلامية بالمنصورة، ص 10) .