شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (63) التربية البدنية والتربية الرياضية

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ويضيف: (إن الإسلام في حاجة إلى كيان سليم قوي فياض متحرك، متمكن من الحياة، إن رسالته هي رسالة القوة في الحق، القوة في البناء والتعمير، القوة في حمل الأمانة، القوة في القيام بمقتضياتها، القوة في الجهاد في سبيلها، والمسلم المجاهد من أزهد الناس في متاع الدنيا وزينتها، إنما هي زهادة القوة لا زهادة اللامبالاة) (انظر: التربية على منهج أهل السنة والجماعة، ص 216 - 217) .

وتشير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تحث على تقوية البدن وإعداده إلى أهمية التربية البدنية للفرد والأمة، قال الله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) (الأنفال: 60) .

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تلا هذه الآية ثم قال: ( أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ )؛ تأكيدًا لأهمية الرمي في الإعداد، والدفع والردع لأعداء الله وأعداء المسلمين، وهو ما تؤكده استعدادات الجيوش في العصر الحديث من صور الرمي الكثيرة والمتعددة برًّا وجوًّا وبحرًا مِن صواريخ ومدافع، وطائرات قاذفة، ودبابات وبوارج، ومدمرات وغواصات إلى جانب البنادق والرشاشات.

وفي صحيح مسلم وعند ابن ماجه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ )، (والمراد بالقوة هنا كما قال الإمام النووي: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله -تعالى-، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك.

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ) فمعناه: في كلٍّ مِن القوي والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات) (صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب البر والصلة والآداب - باب في الأمر بالقوة وترك العجز) .

وهذا ما يتطلبه الإسلام كما يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-: (يتطلب أجسامًا تجري في عروقها دماء العافية، ويمتلئ أصحابها فتوة ونشاطًا، فإن الأجسام المهزومة لا تطيق عبًئا، والأيدي المرتعشة لا تقدم خيرًا، وللجسم الصحيح أثر لا في سلامة التفكير وحسب، بل في تفاؤل الإنسان مع الحياة والناس، ورسالة الإسلام أوسع في أهدافها وأصلب في كيانها من أن تحيا في أمة مرهقة موبوءة عاجزة) (خلق المسلم للشيخ محمد الغزالي - ط. دار الرحمة - القاهرة: ص 142، راجع (الرياضة والأخلاق، ص 4) .

وقال الأستاذ عبد الله ناصح علوان: (ومما لا يختلف فيه اثنان أن أعداء الإسلام حين يعلمون أن أمة الإسلام استعدت عسكريًّا وحربيًّا، وتكونت صحيًّا وجسميًّا، واكتملت إيمانيًّا ونفسيًّا، وعزمت على الجهاد حركيًّا وإراديًّا؛ فإنهم لا شك منهزمون من نفوسهم القلقة الخائفة الخوارة قبل أن ينهزموا في ميادين المنازلة والجهاد، وهذا ما يعرف اليوم بالسلم المسلح، وهذا ما نوه إليه -صلى الله عليه وسلم- حين قال: ( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ) (متفق عليه) (انظر: التربية على منهج أهل السنة والجماعة، ص 220 - 221) .

وفي بيان مشروعية التربية البدنية في الإسلام والحث عليها: روى البخاري وأحمد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على نفر من أسلم يتدربون على الرمي فقال: ( ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ ) فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا لَكُمْ لاَ تَرْمُونَ؟ )، قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ).

وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سابق بالخيل التي أضمرت من الحيفاء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق.

وروى البخاري عن أنس -رضي الله عنه- أنه كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- ناقة تسمى العضباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قاعود (ناقة فتية) له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبقت العضباء، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ ).

وفي صحيح مسلم: أن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- سابق أحد الصحابة على مرأى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففي أحد أسفار النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل رجل من الأنصار كان لا يسبق شدا -يعني عدوًا على الرجلين- يقول: أَلَا مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذَلِكَ فقال سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي وَأُمِّي، ذَرْنِي فَلِأُسَابِقَ الرَّجُلَ، قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ ) (راجع صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة ذي قرد وغيرها) .

وقد أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- للحبشة أن يلعبوا بالحراب في مسجده، وقد صارع النبي -صلى الله عليه وسلم- ركانة فصرعه ثلاث مرات، وروى أبو داود وصححه الألباني في صحيح السنن (2248) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سَابَقَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إِذَا أَرْهَقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَذِهِ بِتِلْكَ ).

ومشهور عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن قال: "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل".

الصفحة السابقة الصفحة التالية