الفساد (63) التربية البدنية والتربية الرياضية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
قال الأستاذ عبد الله ناصح علوان: (فمن هذه النصوص يتبين أن الإسلام شرع ممارسة الألعاب الرياضية والتدريبات الجهادية من مصارعةٍ وعَدْوٍ، ورمايةٍ وفروسيةٍ مِن أجل أن تأخذ أمة الإسلام بأسباب العزة والنصر والسيادة، وأن تتربى أفرادًا وجماعات على معاني القوة والفتوة والجهاد؛ تنفيذًا لقوله -تبارك وتعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) (الأنفال: 60) (تربية الأولاد في الإسلام، ج 2 /889) .
قوة النبي -صلى الله عليه وسلم- البدنية:
لا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أكمل الخلق في كل شيء، وهو في أموره كلها قدوة يحتذى بها، قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب: 21) .
ولقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في الأربعين من عمره، ودعا قومه سرًّا في مكة ثلاث سنوات ثم جهر بدعوته في مكة بعدها عشر سنوات قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة وهو في الخمسينيات فقاد المجتمع الإسلامي فيها، وشارك بنفسه في الغزوات، بل قاد جيش المسلمين إلى تبوك على شدة بعدها عن المدينة، وهو في أواخر عمره -صلى الله عليه وسلم-، فكان في حياته وأحواله كلها مثالًا للقوة والتحمل.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ" (سنن الترمذي المجلد الخامس، أبواب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث رقم: 3728).
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- في وصفه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا مشى تكفأ (أي: تمايل إلى قدام) تكفيًا كأنما ينحط من صبب (يريد أنه كان يمشي مشيًا قويًّا، ويرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنًا لا كمن يمشي اختيالًا، ويقارب خطاه تنعمًا) (وروي في صفته -صلى الله عليه وسلم- أن كان إذا زال زال تقلعًا (رفع الرجل بقوة) ويخطو تكفؤا (الميل إلى سنن المشي وقصده)، ويمشي هونًا (الرفق والوقار)، ذريعة المشي (الواسع الخطا) إذا مشى كأنما ينحط من صبب... وقال الطيبي: (ذريع المشية) أي: يرفع القدم من الأرض ثم يضعها، ولا يمسح قدمه على الأرض كمشي المتبختر، (كأنما ينحط من صبب) أي: يرفع رجله عن قوة وجلادة، والأشبه أن تكفأ بمعنى صب الشيء دفعة. (عون المعبود شرح سنن أبي داود للآبادي - كتاب الطهارة - باب الاستنثار الحديث رقم 44) (راجع المصدر السابق، ص 94- 98) .
وفي السيرة النبوية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توجَّه من مكة إلى الطائف التي تبعد عن مكة نحو خمسين ميلًا سيرًا على الأقدام ذهابًا وإيابًا ليدعوهم إلى الإسلام.
وقد شارك -صلى الله عليه وسلم- في حفر الخندق في غزوة الخندق، ولما عرضت للصحابة صخرة صلبة لم يستطيعوا كسرها وشقت عليهم، قام إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- فضربها بالمعول فكسرها.
ارتباط الرياضة بالأخلاق:
تسمو الرياضة وتعلو عندما ترتبط ممارسة الرياضة بالأخلاق الحسنة، فيروض الرياضي نفسه ويقومها بحسن الخلق. والأخلاق: (مجموعة القيم والضوابط السلوكية التي تحكم مشاعر الفرد وعمله وتوجهاته في الحياة، وهي المعايير التي تجعل عمله عملًا صالحًا أو عملًا طالحًا، وتنشأ هذه الأخلاق بالطبع من معتقدات الإنسان وتوجهاته الفكرية والدينية) (الرياضة والأخلاق، ص 18) . (وحقيقة الخلق في اللغة: أن ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب يسمى خلقًا؛ لأنه يصير كالخلقة فيه)، (فالأخلاق إذًا هي عمل يعمل لا كلام يقال، عمل مبعثه القلب لا كلام مكانه اللسان) (الرياضة والأخلاق، ص 44- 45) .
قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعـه فـقوم النفس بالأخلاق تستقم
قال د. منصور مندور: (الرياضة البدنية في عرف الإسلام لا تؤتي ثمارها المرجوة إلا إذا صحبتها رياضة روحية وتربية أخلاقية، وإذا كانت الرياضة في الإسلام وسيلة من وسائل اللهو المباح، فإن المسلم لا ينسى ولا يتناسى ثوابت دينه وقيمه وأخلاقه التي تربَّى عليها، وتعلمها من علمائه وشيوخه في المسجد وفي المدرسة، ومن الأسرة، فالمسلم ينبذ العنف والتعصب الممقوت، فلا تدفعه فرحة الانتصار إلى الخروج عن حدود الأدب واللياقة، كما أن الهزيمة لا تجعله يسخط على قدر الله -عز وجل-، أو أن يتلفظ بألفاظ لا تليق به كمسلم، فالقدر قد يخبئ للإنسان ما يسره، وقد تكون الجولات المستقبلة في غير صالح الفائز الآن، وليس من طبيعة المسلم أن يشمت بالآخرين، كما لا يحب أن يشمت به أحد، فيجب عليه أن يحب للناس ما يحبه لنفسه، ويجب أن يكره لهم ما يكرهه لنفسه، ولا شك أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين خصائص الإنسان الجسمية، وبين أخلاقه وسلوكه وسماته النفسية).
ويضيف: (وفي الآونة الأخيرة: اتسعت رقعة الاهتمام العالمي بالرياضة في شتى الميادين، وبات من الضروري الحديث عن أهمية (القيم الأخلاقية في التربية الرياضية)؛ إذ إن الرياضة لم تعد مجرد ترفيه ولياقة بدنية، واستعراض عضلات وشهرة بين الناس، بل إن هناك أبعادًا أخرى يجب ألا تغيب عن أذهاننا أثناء ممارسة الألعاب المختلفة، فقد رأينا كثيرًا عن الرياضيين البارزين فقدوا عرشهم الرياضي، وخسروا رصيدهم المحفوظ في قلوب محبيهم؛ لسوء سلوكهم، وضياع أخلاقهم؛ وذلك لأنهم اعتبروا أن المهارة البدنية والموهبة الرياضية وحدهما كافيان للنجاح في الرياضة، وكأن اللياقة البدنية يمكن أن تكون بمعزلٍ عن اللياقة الروحية والأخلاقية، متناسين أن الثمرة المرجوة من ممارسة الرياضية البدنية هي الترابط الاجتماعي والأخلاقي) (الرياضة والأخلاق، ص 73 - 74) .