شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فقه الترخص وتطبيقاته في باب الحج

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

ومن أمثلته في الحج -وهذا مما غفل عنه كثير ممن يتبنون إشاعة الرخص في الحج لمنع الحوادث التي تقع فيه- أن رخصة الدفع من مزدلفة قبل فجر يوم النحر هي رخصة خاصة للضعفاء؛ لكي يسبقوا سائر الحجيج في أعمال يوم النحر بقريب من اثنتي عشرة ساعة يتمكنون فيها من رمي جمرة العقبة الكبرى والذبح والحلق أو التقصير ثم إتيان مكة لطواف الإفاضة، كل هذا دون أن يزاحمهم الأقوياء، فلما توسع الناس في الأخذ بهذه الرخصة -قويهم وضعيفهم-؛ ضاع معناها وهضم حق الضعفاء في وقت خصه الشرع لهم دون غيرهم.

وكذلك فتح باب التوكيل في رمي الجمار، والأصل فيه أنه للضعيف الذي يعجز عن الرمي لا في النهار ولا في الليل فيوكل، فلما توسع المفتون في القول بجواز التوكيل صارت الرحلات الفاخرة تؤجر راميًا يذهب ليرمي عن عشرات من الناس، وصار هؤلاء الرماة المحترفون يحتلون المواقع المميزة للرمي الأوقات الطويلة محتجزين الحجيج الحقيقيين ورائهم، ورحم الله زمانا كنا نتندر فيه على هؤلاء وعلى من أفتاهم بهذه الفتاوى التي كانت في عرف كل دارس لفقه الكتاب والسنة من الترخص الجافي، فإذا بنا نفاجأ -ولأجل حدوث حوادث معظمها راجع إلى قصور بشري في تنظيم توافد الحجيج على الجمرات- ببعض من ينتسب إلى السنة ينادي بفتح باب الرخص على مصراعيه؛ رغم أنه يؤدي إلى ظلم الضعفاء على النحو الذي ذكرنا.

أضف إلى ذلك العسر والمشقة الناجمة عن الإسراف في الرخصة، فكم من سائل يسأل بعد رجوعه إلى بلده من أنه قد وكله عدد كذا من الضعفاء فقبل الوكالة ثم تأخر في الرمي فعاد إليهم ينفض يده من هذه الوكالة فلم يجدهم وعاد إلى بلده فعلى من تكون الفدية؟

ومما يقرب من ذلك: إهمال كثير من المفتين لبيان الصفات الفضلى في العبادات، مع أن بيانها مطلوب نصيحة لمن أراد الأكمل، ولأنه يمكن أن يكون بابًا من أبواب التيسير لا العكس، ومثاله في الحج: فضيلة طواف الإفاضة في يوم العيد مع بيان جواز تأخيره، وفضيلة رمي الجمرات بالنهار ورمي جمرات كل يوم في موعده على الرغم من جواز التأخير، فصار كثير ممن يتكلم في هذه المسألة يهمل الترغيب في الحرص على الوجه الأكمل لمن استطاع، على الرغم من أنه لو حرص من لديه القدرة على فعل هذه العبادات أول وقتها؛ لكان ذلك أرفق بغيرهم. ومن رأى الزحام الشديد على الرمي في الليل لعلم أنه لو وجد الترغيب الكافي في أن يدرك من استطاع الرمي في أول وقته؛ لكان في هذا إفساح المجال لغيرهم بالليل.

فحصل من ذلك أن الرخص الشرعية على ثلاثة أنواع:

الأول: تخفيف بعض الأحكام على الرغم من قيام مقتضيها، وغني عن الذكر أن هذا القسم لا يقاس عليه.

الثاني: رخص الضرورات وبعضها منصوص عليه مع بقاء القاعدة عامة تقبل التطبيق على وقائع أخرى بشرط أهلية المطبق ومعرفته بحدود الضرورة الشرعية.

الثالث: رخص الحاجات وبعضها منصوص عليه، ويمكن القياس عليه بالضوابط المشار إليها آنفًا من عموم البلوى، وكون حكمة النهي الأصلي كان من باب سد الذرائع.

هذا؛ وقد خلط بعضهم بين مفهوم الرخصة الشرعية وبين تتبع أسهل أقوال العلماء في المسائل الخلافية المعروفة بمسألة تتبع رخص المذاهب، وحاصل ذلك أن العلماء متى اختلفوا في ترخيص الشارع في مسألة أو عدمه، فما زال الواجب على المكلف أن يجتهد في معرفة حكم الله لا حكم غيره، وكل مكلف بحسب قدرته على فهم الأدلة، فمتى استبان له الدليل أن العالم الذي قال بالرخصة؛ أخطأ أو وهم، فكيف يمكن له أن يترخص برخصة يعلم أن الله لم يأذن بها وأن القائل بها قد أخطأ في نسبة هذا للشرع؟

ومثال ذلك: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة من أن للمرأة أن تزوج نفسها ظنًا منه أن الشرع أذِن في ذلك؛ إذ رأى أن الشرع أذِن للمرأة أن تتصرف في مالها فألحق به بضعها، وقد تبين لنا بالحديث الصحيح أن الشرع لم يأذن في ذلك، بل قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا؛ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، كما أن قياس الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- منتقض بكون الزواج أمرًا يخص أولياءها ربما أكثر مما يخصها بخلاف مالها.

ومن رأى ما آل إليه حال الناس في زماننا نتيجة شيوع الزواج بدون ولي -رسميًّا كان أو عرفيًّا وإن كان الغالب عليه أن يكون عرفيًّا-؛ أدرك المغزى الشرعي في ذلك، فهل يمكن لأحد بعد ذلك أن يقول: هذه رخصة من الله؟! وإن لم يجرؤ على الزعم أنها رخصة من الله، فلا تكون رخصة حينئذ.

وقد بالغ العلماء في الرد على هذا القول حتى قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "من أخذ برخصة كل عالم؛ اجتمع فيه الشر كله".

وقد حكى الخطابي -رحمه الله- عن بعضهم قوله: "إن الناس لما أجمعوا على تحريم خمر العنب واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اتفقوا عليه وأبحنا ما سواه". فقال الخطابي تعليقا على هذا الكلام: "وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل؛ للزم مثله في الربا والصرف ونكاح المتعة؛ لأن الأمة اختلفت فيها وليس الاختلاف حجة، وإنما السنة حجة المختلفين من الأولين والآخرين". اهـ كلام الخطابي فيما نقله عنه الشاطبي في "الموافقات" في ثنايا رده على القائلين بهذه البدعة.

ثم قال: "وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيها الضرورة والحاجة بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات، فيأخذ عند ذلك ما يوافق الغرض حتى إذا نزلت مسألة لا ضرورة فيها ولا حاجة؛ أخذ بالقول الراجح، فهذا أيضا من الطراز المتقدم" ا.هـ مختصرًا .

الصفحة السابقة الصفحة التالية