شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فقه الترخص وتطبيقاته في باب الحج

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

وأما ما ورد عن بعض المحققين من الاستفادة من اختلاف العلماء في مراعاة تغير الزمان والمكان، وهذا يكون في مسائل يسيرة بنيت على الواقع كاختلافهم في أقل الحيض وأكثره مثلاً، فعلمنا من كلامهم أنهم ردوه إلى الإحصاء الطبي في واقعهم، فكذلك يمكن أن نفعل نحن، ومن ذلك مسألة هل تحيض الحامل؟ فظاهر الدليل في قوله -صلى الله عليه وسلم- في السبي: ( لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، أن الحامل لا تحيض، ولما وجد بعض الفقهاء أن بعض النساء يذكرن أنهن يحضن وهن حوامل أوَّلوا الحديث، بينما قال بظاهره آخرون. ثم جاء الطب الحديث ليؤكد ما دل عليه ظاهر الحديث وأن الدماء التي تنزل على الحامل مع استقرار حملها دم علة وفساد، مما يفرض أخذ هذه المعلومات بعين الاعتبار حين إعادة بحث المسألة.

كما أنه يرد ذلك في المسائل التي مبناها على الاستحسان، وهو: التردد في قياس فرع على أصلين مختلفين في الحكم، فربما قضى المجتهد بقول في المسألة تغليبًا لأحد القياسين، وقضى الآخر بخلافه ثم استجدت أمور ربما تجعل أحدهما يرجع إلى قول الآخر، ومثاله ما ذكره الجويني من النزاع بين العلماء في جواز أن يتفق الخصمان على الذهاب إلى محكم غير القاضي المعين من الإمام.

فقال ما حاصله: "فإذا خلا الزمان عن الإمام؛ وجب أن يكون ما كان مختلفًا فيه متفقا عليه، وذلك؛ لأن المانعين من الذهاب إلى المحكم حال وجود القاضي الشرعي إنما منعوا من ذلك للافتئات على حقه، وأما مع شغوره فيبقى الأمر بالرد إلى أهل الذكر سالمًا عن المعارضة". وأما إطلاق القول به فهو ضرب من تتبع رخص العلماء كما بين الشاطبي.

والحاصل أن باب الرخص -لا سيما في الحج- هو أكثر الأبواب حاجة للتوسط والقصد والاعتدال؛ لأنه من أكثر الأبواب التي ينتهي الإفراط في التيسير فيها إلي تعسير من حيث لا ندري. وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة