شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فقه الترخص وتطبيقاته في باب الحج

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن السنة وسط بين الغالي والجافي، وهذا يصدق في باب الاعتقاد كما يصدق في باب العمليات، ومن أكثر الأبواب التي تفرق الناس فيها عن السنة بين غالٍ وجاف باب الرخص، لا سيما في الحج، والذي يخرجه التوسع في الرخص عن كونه عبادة يشعث العبد فيها بدنه ويغبر قدمه إلى رحلة ترفيهية لا تعمل في القلب أثرها المقصود، كما أن مجافاة الرخص فيها تحوله إلى ساحة عراك وشجار، وتضييع لحرمات المؤمنين مما يخرجه عن مقصوده من وحدة الأمة واجتماعها ولذلك كانت هذه المحاولة لفهم باب الرخصة وتطبيقه على رخص الحج.

يعرف علماء الأصول العزيمة بأنها: ما شرعت ابتداء، والرخصة: ما شرعت بسبب قيام مسوغ لتخلف الحكم الأصلي، وهي تشمل نسخ الحكم الشديد إلى الأخف في حق جميع الأمة على الراجح. ومن ثمَّ يقال عن المسح على الخفين أنه رخصة مع أنه مشروع للمقيم والمسافر، ويقال عن نسخ الأضحية من الوجوب إلى الاستحباب أنه رخصة وهكذا..

ومن هذا في باب الحج: الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد على هيئة التمتع أو القران، فيسمى رخصة للتسهيل فيه من إجراء أعمال واحدة عن عبادتين، كما أن الرخصة تأتي بسبب الضرورة ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) (البقرة:173) ، وهذه تحتاج إلى فتوى عالم بالشرع وبالواقع؛ لكي يفتي بأن حالة ما ضرورة أو أنها ليست كذلك.

وكان الشيخ الألباني -رحمه الله- كثيرا ما يقول: "لقد حفظ الناس قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، ولم يحفظوا معها القاعدة الأخرى التي تضبطها وهي: الضرورة تقدر بقدرها".

كما أن الرخصة تأتي بسبب الحاجة، وقد وردت كثير من النصوص الشرعية بالتيسير في مواطن لا تبلغ مبلغ الضرورة، وبيـَّن الله -تعالى- هذا الأصل من أصول التشريع بقوله: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (الحج:78) ، ومن أمثلة ذلك: الفطر والجمع والقصر في السفر، ومن المعلوم أنه لا يبلغ مبلغ الضرورة.

وقد جفا كثير من الناس في هذه الرخص فأرادوا أن يقصروا الرخصة فيها على حال الضرورة، وكان هذا سيصح لو لم ترد النصوص المصرحة باعتبار هذه الحاجة، ومعظم رخص الحج من باب رخص الحاجات، من الترخيص للضعفاء بالدفع من مزدلفة قبل الفجر، ومن عدم اشتراط الترتيب في أعمال يوم النحر مع أن الأصل وجوبه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ ) (رواه مسلم) ، وهذه الرخص ما كان فيها منصوصًا عليه فلا خلاف في العمل به، ولكن هل يمكن أن يقاس عليه غيره أم لا؟

نظر العلماء في المواطن التي وردت فيها الرخص من أجل مصالح حاجية؛ فوجدوا أنها عامة يحتاجها عدد كبير من المكلفين -إن لم يكن كلهم- كرخص السفر ورخص الحج، وبيع السلم وبيع العرايا ونظر الخاطب للمخطوبة، وتضبيب الإناء المكسور بالفضة مع وجود غيره، ومن هنا استنبط العلماء قاعدة: "إن الحاجات عند عموم البلوى بها تنزل منزلة الضرورة".

وإذا طبقنا هذه على الأمثلة المنصوص عليها، ولنأخذ على سبيل المثال: نظر الخاطب إلى المخطوبة، فالأصل هو حرمة النظر إلى الأجنبية، ولولا ورود الدليل على جواز النظر من أجل الحاجة؛ لم يكن لقائل أن يجيز النظر إلى المخطوبة من أجل الخطبة؛ لكونها لا ترقى إلى درجة الضرورة، ولكن كان هذا بالنظر إلى أن عامة الناس يحتاجون إلى النكاح، وأن الزواج بغير نظر سابق يعرضه إلى الفشل بنسبة كبيرة، مما يعرض المجتمع كله إلى حالة من الضيق تساوي حالة الضرورة أو ربما زادت، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ) (رواه ابن ماحه، وصححه الألباني) .

ومعلوم أن هذا عام في حق كل خاطب ومخطوبة، ومقتضى كلام أهل العلم هنا أن هذه الحاجة بعينها لو لم تعم البلوى بها -بمعنى احتياج عامة المكلفين لها-؛ لما جاز الترخص بسببها.

وهناك ضابط آخر في مسألة الترخيص في فعل المنهيات من أجل الحاجات، وهي التي يعبر عنها العلماء بقولهم: "ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"، مما يعني أن المحرمات لذاتها لا تباح إلا للضرورة، والمحرمات لغيرها تباح للمصلحة الراجحة -الحاجة التي عمت بها البلوى-، ومثاله في المنصوص عليه: ربا النسيئة، فهو محرم لذاته فلم تلحق به أي رخصة في الشرع إلا أن يتعرض مكلف بعينه إلى حالة ضرورة حينئذ يقدرها أهل العلم بقدرها، وأما ربا الفضل فهو محرم سدًّا للذريعة؛ لأنه يؤدي إلى ربا النسيئة، فأجاز الشرع بعض صوره وهي بيع العرايا بقيود خاصة لعموم حاجة الفقراء لها ودخل معهم الأغنياء تبعًا.

وفي هذه الرخص المباحة للحاجة -سواء المنصوص عليها أو التي توصل إليها بالنظر والاجتهاد- يجب ضبط الحاجة التي علق الشرع عليها الرخصة أو التي أدى النظر إلى اعتبارها، فلا يجوز -مثلاً- أن يـُمَكَنَ الخاطب من رؤية مخطوبة مع غلبة الظن بوجود موانع أخرى من إتمام الخطبة، بل يجب استقصاء هذه الموانع أولاً، ولا يجوز للخاطب أن يطلب تكرار النظر إذا كان قد حسم أمره سلبًا أو إيجابًا، بينما يجوز أن يطلبه؛ إن كان ما زال محتاجًا لذلك، ويجوز تمكينه من هذا؛ إن غلب على الظن عدم تلاعبه.

واعلم أن الرخصة متى كان في الأخذ بها ممن لا يستحقها ضرر على غيره أو تفويت مصلحة عامة للأمة اقتضى ذلك مزيد من التثبت في مدى استحقاق المرء لها، ومن ذلك: رخصة القعود عن الجهاد متى توسع فيها الناس فأخذ بها من ليس من أهلها؛ كان هذا تضييعًا لمصالح الأمة ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ) (التوبة:49) ، ورخصة سؤال الناس، فمتى توسع كل محتاج بأي نوع من الحاجات في سؤال الناس؛ عاد هذا بالجهد على المتعففين الذين لا يسألون الناس إلحافًا، وهذا أمر نراه واقعًا في زماننا، ولذلك؛ حرَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- على من جاءا يسألانه وليس عليهما أثر الفاقة فقال: ( إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ وَلاَ لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية