شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (37) آيات من القرآن في ذم القسوة (15)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (الحج:52) .

المثال الثاني فيما يلقيه الشيطان في نفوس القاسية قلوبهم عند تلاوة آيات القرآن: ما يقولونه في قوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (البقرة:62) .

فيدَّعون أن الآية تدل على صحة ملة اليهود والنصارى والصابئين إذا عملوا بشرائعهم وآمنوا بملتهم، وإن لم يؤمنوا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-!

فقد لبَّسوا كثيرًا في هذا الباب على كثيرٍ مِن الناس، مع أنه لا نزاع بين المسلمين في ركنية الإيمان بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لمَن بلغه خبره، وكذلك في الإيمان بنبوة عيسى -صلى الله عليه وسلم- لمَن بلغه خبره، فمَن بلغه خبر عيسى -عليه السلام- مِن اليهود فلم يؤمن به؛ فليس مؤمنًا بالله، واليوم الآخر، وعمله حابط؛ لتكذيبه لرسل الله، وكذلك لتكذيبه بكتبه المنزلة.

ومَن بلغه خبر عيسى -عليه السلام- فآمن به وعمل بما بُعث به في الإنجيل؛ فهو الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحًا، وكذلك مَن لم يبلغه خبر عيسى -صلى الله عليه وسلم- على الحقيقة من اليهود فظلوا متمسكين بشريعة التوراة، وما بُعث به موسى -صلى الله عليه وسلم-، فهو مِن الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وكذلك مَن بلغه خبر المسيح على غير الحقيقة مِن ادِّعاء الألوهية فيه والبنوة؛ فهو لم يبلغه خبر المسيح -صلى الله عليه وسلم-، فيكون مِن اليهود المؤمنين.

وأما مَن بلغه خبرُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- مِن اليهود أو النصارى فلم يؤمن به، وادَّعى التمسك بما هو عليه مِن دين عيسى أو مِن دين موسى -عليهما السلام-؛ فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) ، وقال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا . أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء:150-151) .

وأما مَن كان قبل بعثة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- يدَّعي لله صاحبة أو ولدًا؛ فليس بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر، كذلك كل مَن كذَّب الأنبياء أو مَن قتل الأنبياء وادَّعى التمسك بالتوراة؛ فليس بمؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا بموسى -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -عز وجل-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (آل عمران:81) .

ولا نزاع بين أهل العلم في أن هذه الآية الكريمة معناها على ما ذكرنا مِن أنها فيمَن لم يبلغه خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- سواء كان قبل بعثة الرسول أو بعد بعثته، ولكن لم يبلغه خبره؛ فهذه الآية في الموحدين الذين صدقوا الرسل الكرام -عليهم السلام-.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية بعد أن ذكر ما رُوِي عن ابن عباس في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا...) (البقرة:62) ، الآية: "فأنزل الله بعد ذلك: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِريْنَ ) (آل عمران:85) .

فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يُقبل مِن أحدٍ طريقة ولا عملًا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد أن بعثه الله بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل مَن اتَّبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل نجاة، فاليهود أتباع موسى -عليه السلام- الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.

واليهود من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهي التوبة؛ كقول موسى -عليه السلام-: ( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ) (الأعراف:156) ، أي: تُبْنَا، فكأنهم سمَّوا بذلك في الأصل؛ لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.

وقيل: لنسبتهم إلى يهوذا -أكبر أولاد يعقوب عليه السلام-.

وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة" ( قلتُ: والأصح الأول؛ التوبة والمودة).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فلما بُعث عيسى -صلى الله عليه وسلم- وجب على بني إسرائيل اتِّباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسمُّوا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يُقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى -عليه السلام-: ( مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ ) (آل عمران:52) ، وقيل: إنهم إنما سمُّوا بذلك مِن أجل أنهم نزلوا أرضًا يُقال لها ناصرة، قاله قتادة وابن جريج، وروي عن ابن عباس أيضًا، والله أعلم.

الصفحة التالية