مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (37) آيات من القرآن في ذم القسوة (15)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
قال: فلما بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقًا، وسمِّيت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مؤمنين؛ لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية، والغيوب الآتية".
( قلتُ: ثم ذكر ابن كثير -رحمه الله- الخلاف في الصابئة، والصحيح أنهم قوم يقولون: لا إله إلا الله، كما قاله عبد الرحمن بن زيد، وذكر ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد -رحمه الله-: "الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب، ولا نبي؛ إلا قول: لا إله إلا الله"، والصحيح: أن لهم عملًا؛ لأن الله -تعالى- قال: ( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا )، ولكن لا يُحفظ لهم كتاب، ولا يُعرف اسم نبيهم، ولكنهم موحِّدون، يعملون الصالحات، ويؤمنون بالله واليوم الآخر؛ خلافًا لمَن قال: هم يعبدون الملائكة أو يعبدون النجوم؛ فإن هؤلاء ليسوا بمؤمنين بالله، ولا باليوم الآخر).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وأظهر الأقوال -والله أعلم-: قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبِّه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود، ولا النصارى، ولا المجوس، ولا المشركين؛ وإنما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون مَن أسلم بالصابئيِّ، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك" (انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله-) .
وقال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بقوله: ( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ): مَن صدَّق وأقرَّ بالبعث بعد الممات يوم القيامة، وعمل صالحًا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم. يعني بقوله: ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ): فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم".
ثم ذكر ابن جرير -رحمه الله- في حديثٍ طويلٍ عن السُّدي، قصة سلمان الفارسي -رضي الله عنه-، إلى أن قال: "فكان إيمان اليهود: أنه مَن تمسك بالتوراة وسنة موسى، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى -فلم يدعْها ولم يتبع عيسى- كان هالكًا. وإيمان النصارى: أنه مَن تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولًا منه، حتى جاء محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمَن لم يتبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكًا" (انتهى كلام ابن جرير -رحمه الله-) .
وهذا في الحقيقة لا نزاع فيه بين أهل العلم؛ في وجوب الإيمان بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لمَن بلغه خبره.
ومِن الشروط المهمة في صحة إيمان مَن لم يبلغه خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: أن يكون موحدًا، لا يصف الله بصفات عجزٍ أو نقصٍ: كحال اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، أو كذَّبوا أنبياءهم أو قتلوهم، وكذا النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: المسيح هو الله؛ فإن هذا خلاف ما عندهم مِن التوراة والإنجيل في أمر التوحيد، وتصديق الرسل.
ففي التوراة في أول الوصايا العشر التي أوحاها الله إلى موسى -عليه السلام-: "الربُّ إلهُنا ربٌ واحدٌ؛ ربُّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب".
وكذا في الإنجيل قالوا: "أيها المعلم، أيُّ الوصايا هي أول الكل؟ قال: كما هو مكتوب: الرب إلهُنا ربٌ واحدٌ، ربُّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك".
فالإيمان بالله -عز وجل- وتوحيده شرط في قبول العمل، وتصديق مَن بلغه خبره مِن الرسل الكرام شرط في صحة الإيمان بالله واليوم الآخر، ولا يقبل الله -عز وجل- دينًا ممَن كذَّب رسولًا مِن الرسل، خاصة محمد خاتمهم -صلى الله عليه وسلم-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.