فضل العشر الأوائل من ذي الحجة
الشيخ أحمد فريد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلما وضع الله -عز وجل- في قلوب المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحدٍ قادرًا على مشاهدته في كل عام؛ فرض الله -عز وجل- على المستطيع الحج مرة واحدة في العمر، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين، فمَن عجز عن الحج في عام، قدر في العشر على عمل يعمله وهو في بيته، أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج.
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشَرَةِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ( وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) (رواه البخاري) .
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السَّنة كلها، صار العمل فيه وإن كان مفضولًا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلًا" (لطائف المعارف) .
ليالي العشر أوقـات الإجابة فـبـادر رغـبـة تـلحق ثوابه
ألا لا وقــت لـلـكـسـلان فيه ثواب الخير أقرب للإصـابة
قال الدكتور خالد أبو شادي تحت عنوان: "بين موسمين": "عشر ذي الحجة عشرة أيام، وليست شهرًا مثل شهر رمضان، فموسمها قصير لا يحتمل التقصير، وهي سريعة العبور ما تقبل الفتور، وليست الشياطين فيها مصفدة على عكس رمضان؛ لذا فالمهمة أشق، والحمل أثقل، والسالكون قلة.
لذا فثواب الاجتهاد أعظم، وجائزته أغلى وأثمن، فأكثر الناس في أيام العشر غافلون لا يجتهدون كما كانوا في رمضان يفعلون، ولا بكثرة الختمات يتنافسون، فالتشجيع فيها أقل، بعكس الصوم؛ ولذا رفع الله ذكرها، وأقسم بلياليها، وضاعف ثوابها، فصيام يوم واحد فيها يكفِّر ذنوب سنتين كاملتين؛ ولذا لم يُر الشيطان أحقر ولا أغيظ منه فيها.
وهي فرصتك الكبرى في إلحاق أكبر هزيمة به والثأر لما نالك منه من جرح إيمانك، وإصابة تقواك على مدار العام؛ اليوم يومك أيها البطل المقدام" (أحلى 13 يوم) .
وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشَرَةِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ( وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )، يدل على أن العمل في أيام العشر أفضل من الجهاد بالنفس، وأفضل من الجهاد بالمال، وأفضل من الجهاد بهما والعودة بهما، أو بأحدهما؛ لأنه لا يفضل العمل فيها إلا مَن خرج بنفسه وماله وفقدهم في سبيل الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا ونهارًا أفضل من جهادٍ لم يذهب فيه نفسه وماله"، قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: " كان يُقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم".
وروي عن الإمام الأوزاعي أنه قال: "بلغني أن العمل في يومٍ من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارها، ويحرس ليلها، إلا أن يختص امرؤ بالشهادة".
ومِن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله هو أفضل أعمال الجوارح؛ لما ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) (رواه البخاري) .
فالجهاد أفضل من الحج، والذي يفوته الحج في عام ويجتهد في الأعمال الصالحة ينال من الثواب أكثر من ثواب الجهاد الذي هو أفضل من الحج، إلا نوعًا واحدًا من الجهاد، وهو أن يخرج بماله ونفسه ثم لا يرجع من ذلك بشيء.
ومما يدل على شرف أيام العشر: أن الله -عز وجل- أقسم بها في كتابه، فقال -تعالى-: ( وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) (الفجر:1-2) .
والمراد بالفجر: هو فجر يوم النحر، الذي هو أفضل الأيام عند الله -تعالى-، كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وهو آخر أيام العشر، وهو يوم الحج الأكبر كما ثبت في صحيح البخاري وغيره، وهو اليوم الذي أذَّن فيه مؤذن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) (التوبة:3) ، ( وَأَنْ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ) (متفق عليه) .
ولا خلاف أن المؤذن أذن بذلك في يوم النحر لا في يوم عرفة، وذلك بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، امتثالاً وتأويلًا للقرآن.
( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ): قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إنه عشر ذي الحجة"، وبه قال ابن الزبير، ومجاهد، ومسروق، وقتادة، والضحاك والسدي.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو الصحيح، ونسبه الشوكاني إلى جمهور المفسرين في تفسيره.
ونكر الليالي كما قال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه: "التبيان": "فإن في التنكير تعظيمًا لها، فإن التنكير يكون للتعظيم، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم".
ومما يدل على شرف أيام العشر ما ثبت بالأحاديث الصحيحة أنها أفضل أيام السنة، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ ) (رواه البزار، وصححه الألباني) ، وعنه -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .