شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فضل العشر الأوائل من ذي الحجة

الشيخ أحمد فريد • التزكية

وذهب ابن القيم -رحمه الله- في "زاد المعاد" إلى أن نهار العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل من نهار العشر الأواخر من رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي العشر الأوائل من ذي الحجة؛ لأن فيها ليلة القدر.

وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في "لطائف المعارف": "عشر ذي الحجة أفضل من غيره بلا استثناء، هذا في أيامه، أما لياليه فمِن المتأخرين مَن زعم أن ليالي رمضان أفضل من لياليه، لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدًّا".

وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله كثير على العشر الأخير من رمضان؛ لأن هذا يُشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.

وقيل: ذاك أفضل؛ لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذلك أفضل. وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم".

قال أبو عثمان النهدي: "كان السلف يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأوائل من المحرم".

ومما يدل على شرف هذه العشر: أن سماها الله -عز وجل- في كتابة بالأيام المعلومات، وسن لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها كثرة التهليل والتكبير والتحميد، قال الله -تعالى-: ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) (الحج:28) ، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الأيام المعلومات: أيام العشر".

ويسن التكبير والتحميد والتهليل في أيام العشر: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ ) (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره، والله أعلم".

- مَن أراد أن يضحي لا يأخذ مِن شعره أو من أظفاره إذا دخلت العشر حتى يذبح أضحيته، فعن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ ) (رواه مسلم) .

وقد اختلف العلماء في هذا النهي: هل هو للكراهة أو للتحريم؟ والأًصح أنه للتحريم؛ لأنه الأصل في النهي، ولا دليل يصرفه، ولكن لا فدية فيه إذا أخذه؛ لعدم الدليل.

والحكمة في هذا النهي: أنه لما كان هذا المضحي مشاركًا للمحرم في بعض أعمال النسك وهو التقرب إلى الله بذبح القربان، كان من الحكمة أن يعطي بعض أحكامه، وقد قال الله -تعالى- في المحرمين: ( وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) (البقرة:196) .

وقيل: أن يبقى المضحي كامل الأجزاء للعتق من النار.

ومما يدل على شرف العشر الأول من ذي الحجة: اشتمالها على يوم النحر، وهو أشرف أيام السنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، ويوم القر هو: الحادي عشر من شهر ذي الحجة، وأول أيام التشريق.

وفي يوم النحر الأضحية: التي هي عَلَمٌ للملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، وكذا اشتمال هذه الأيام المباركة على يوم عرفة، وهو التاسع من ذي الحجة، وفيه ركن الحج الأعظم، وهو الوقوف بعرفة، وهو عيد أهل الموقف؛ لذا لا يستحب لهم صيامه، أما أهل الأمصار فصيام يوم عرفة يكفر سنتين من الذنوب.

فنسأل الله -تعالى- أن يبارك لنا في العشر، وأن يوفقنا للأعمال الصالحة التي هي أفضل من الجهاد، وأن يوفق حجاج بيته الحرام لحج مبرور.

الصفحة السابقة