عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد- عيد الأضحى المبارك 1441هـ
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
معشر المسلمين...
هذا يوم عيدنا، يوم الحج الأكبر، يوم يربط حاضرنا بماضينا؛ لنستلهم منه الطريق الذي ينبغي أن نسير عليه،
ومِن بين الدروس الكثيرة التي تفوح مِن هذه المناسبة العظيمة، نقتطف هذه الدروس؛ لعل الله أن ينفعنا بها.
- الحج ومقام النبي -صلى الله عليه وسلم-:
قضية السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي هي أحد أهم القضايا الحاضرة بقوةٍ في كل زمان؛ فمنذ زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشغِّب حولها المبطلون، وهم قوم وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا في سنته، فقال: ( لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
ولقد اعتاد هؤلاء أن يتحدثوا بباطلهم، واعتاد أهل العلم أن يواجهوهم بما يدحض باطلهم وشبهاتهم بحججٍ واضحاتٍ بيناتٍ، منها: العبادات التي يعلم القاصي والداني -بما في ذلك غير المسلمين- بأن هذه هي صلاة المسلمين، وأن تلك هي مشاعر حجهم، وفيهما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ) (رواه البخاري) ، وقال: ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) (رواه مسلم) .
وهذا امتثال من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمر ربه: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) ، وبدورهم امتثلت الأمة لأمر ربها -عز وجل-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الحشر:7) .
فنقل لنا الصحابة -رضي الله عنهم- صلاته -صلى الله عليه وسلم-، ووصفوا لنا حجه، وبيَّنوا أخلاقه وصفاته، وحمل هذا العلم علماء جهابذة جيلًا بعد جيلٍ، كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
طعن هؤلاء المبطلون في الدِّين ككلٍّ عن طريق طعنهم في السُّنة؛ سواء أدركوا هذا أو لم يدركوا، ودافع هؤلاء عن الدِّين عن طريق دفاعهم عن السُّنة مدركين أن الطعن في السُّنة يطيح بأكثر مِن نصف الشريعة، وفي ذات الوقت يبقي النصف الآخر "وهو ما ورد في القرآن" عرضة للتحريف والتأويل بحسب الأهواء؛ غير أن أهل البدع قديمًا وإن تجارت بهم الأهواء في كل وادٍ سحيقٍ، لم يبلغ تنكرهم لمقام النبوة إلى الحدِّ الذي بلغه أحدهم حينما زعم أن أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليست حجة!
وزاد الطين بلة والعمى ظلمة حين أضاف: أن حتى تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- للقرآن هو تفسيره لنفسه، وبوسع كلٍّ منا أن يكون له تفسيره الخاص للقرآن!
لقد عشنا فترات طويلة نعاني من البدعة المقابلة، وهو الغلو في النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ أنه أصل الكائنات، أو سبب خلقها، أو غير ذلك، مما كانت -ولا زالت- تردده الصوفية؛ فإذا نهيتهم عن هذا عملًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ ) (رواه البخاري) ؛ إذ بهم يتهمونك بأنك انتقصت مقام النبوة! مع أن هذا هو أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وتجدهم يصرون على التوسل بذات النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بجاهه، مع أن عمر -رضي الله عنه- قد قال في حضور أهل المدينة: " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا "؛ فدلَّ هذا على أنهم كانوا يتوسلون به -صلى الله عليه وسلم- توسلًا لا يصح إلا في حياته، ومِن ثَمَّ لما قُبض -صلى الله عليه وسلم- توسلوا بعم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يدل على أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته، ثم بعد مماته توسلوا بدعاء الصالحين الأحياء؛ لا سيما آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-.
واليوم تتعايش البدعتان المتقابلتان: الغلو في الصالحين عامة؛ لا سيما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. والجفاء الذي يبلغ حد الجحود في مقتضيات الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفي الواقع فالغرب يريد منا ثلاثية عجيبة:
الأولى: أن نغلو في النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي آل بيته، وفي الصالحين، فنتشبه بهم، وهذا ما حذرنا منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وهو على فراش الموت، فعن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ( لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) (متفق عليه) .
الثانية: أن نسقط مِن معاني إيماننا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنى وجوب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر؛ لنتماهى مع العولمة العالمانية، التي لا يجدون غضاضة في أن يقرأوا في الكتب التي بين أيديهم تحريم الربا ثم يجعلونه عماد اقتصادهم، وتحريم الزنا ثم يجعلونه حرية شخصية، وهكذا... !
الثالثة: أن يُنفَى التلازم بين حب المؤمنين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين بغضهم لشانئيه مع أن الرب -جلَّ في علاه- قال لما قال أبو لهب للنبي -صلى الله عليه وسلم-: تبًّا لك يا محمد: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) (المسد:1) ، وقال في حق شانئيه: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (الكوثر:3) .
وقال في حق مكذبيه: ( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) (الأنعام:33) ، وقال في حق المستهزئين به: ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (الحجر:95) .
فائدة: