عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها الدعوة السلفية في الأعياد- عيد الأضحى المبارك 1441هـ
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
بغض مبغضي المحبوب قاعدة شرعية، قال -تعالى-: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (المجادلة:22) .
وهي أيضًا قاعدة عقلية أيضًا، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-:
شــرط الـمـحـبـة أن توافـق مَـن تحب على محبته بـلا عـصـيان
فإذا ادعيت له المحبة مع خلافك مــا يـحــــب فـأنـت ذو بـهـتـان
أتـحـب أعداء الحبـيـب وتـدعـي حـبـًّـا لـه مـا ذاك فــي إمـــكـان
وكــذا تـعـادي جـاهـدًا أحـبـابـه أين المحبة يا أخا الـشـيـطـان؟!
فائدة:
الحق وسط بين الإفراط والتفريط:
فقوم يزعمون محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويزعمون محبة مَن يتهمونه -صلى الله عليه وسلم- بالكذب على الله -عز وجل-، وآخرون يبغضونهم، ولكن يجاوزون البغض القلبي إلى الظلم والجور مخالفين بذلك قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .
والوسط هو الجمع بين البغض القلبي والبر والإقساط، قال -تعالى-: ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) .
وَأَرسَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- عَبدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ -رضي اللهُ عنه- لِيَخرِصَ نَخلَ يَهُودِ خَيبَرَ، فَلَمَّا جَاءَهُم شَكَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- شِدَّةَ خَرْصِهِ وَأَرَادُوا أَن يَرشُوهُ فَقَالَ: "يَا أَعدَاءَ اللهِ أَتُطعِمُونِي السُّحتَ؟ وَاللهِ لَقَد جِئتُكُم مِن عِندِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنتُم أَبغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ مِن عِدَّتِكُم مِنَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ، وَلَا يَحمِلُنِي بُغضِي إِيَّاكُم، وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَن لَا أَعدِلَ عَلَيكُم"، فَقَالُوا: "بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ".
تلبيس مَن يزعم عدم لزوم طاعته -صلى الله عليه وسلم- بدعوى أنه بشر:
لا شك أن أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله هي أقوال وأفعال بشرية بحكم أنها واقعة من بشر؛ إلا أنه -صلى الله عليه وسلم- معصوم بإجماع المسلمين في كل ما يتعلق بإبلاغ الدين، بل الصحيح أن الأنبياء معصومون حتى مِن الخطأ في التطبيق، والمسلمون مجمعون على هذا في شأن الكبائر، والجمهور -وهو الصحيح- يقولون بعصمة الأنبياء من الصغائر أيضًا؛ ولأن الله -تعالى- جعلهم قدوة للناس، وأمر الناس باتباعهم كما قال الله -تعالى-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ يُطِعِ اللهَ إِنْ عَصَيْتُهُ ) (رواه مسلم) .
وأما عصمته -صلى الله عليه وسلم- في التشريع: فيكفي أن الله جعل كل ما ينطق به النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الوحي؛ لأنه إما أن يكون وحيًّا، وإما أن الوحي قد أقره، قال -تعالى-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ، وقال -تعالى-: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ).
ومِن ثَمَّ صارت طاعته -صلى الله عليه وسلم- من طاعة الله، قال -تعالى-: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (النساء:80) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (النساء:59) .
ومن معاني الحج: وحدة الأمة الإسلامية: قال -تعالى-: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، ولعلك لا تدرك المعنى التام لهذه الآية الكريمة إدراكًا تامًّا إلا عندما يمن الله عليك بالحج أو العمرة، أو عندما تطالع مشاهد الحجيج في وسائل الإعلام.
أناس جاءوا مِن بقاعٍ شتى؛ ألوانهم مختلفة، وعاداتهم مختلفة، ولكن وحَّدتهم ملابس الإحرام البسيطة التي تذكِّر بني آدم بأصل المساواة بينهم.
وفي هذا العام، ورغم قصر الحج على المتواجدين داخل المملكة العربية السعودية؛ إلا أن المشهد ما زال معبِّرًا عن تنوع الألوان والأعراق واللغات؛ كل قوم كان منهم مَن يمثِّلهم في هذا المحفل الذي آلم كل مسلم أن يكون مَن فيه بالمئات بعد أن كانوا بالملايين!
نسأل الله أن يرفع عن الأمة الإسلامية وباء كورونا، وسائر الأوبئة، وأن يردهم إلى مساجدهم وإلى حرمهم ومناسكهم.
كلمة لمَن يظن أن المشاركة في "سايكس - بيكو" الجديدة، تصويبًا لـ"سايكس - بيكو" القديمة:
كنا وما زلنا أمة واحدة.
معبودنا واحد.
رسولنا واحد.
كتابنا واحد.
شريعتنا واحدة.
وكنا كذلك على الأرض حين خاطب حاكم بلاد المسلمين يومًا سحابة، فقال "أمطري حيث شئت، فسوف يأتيني خراجك!".
ثم تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها كما أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت "سايكس - بيكو"، وأعمل الخصم سكِّينته المسمومة يقسِّم ويجزِّئ، ويضع حددوًا وفواصل، وكعلاوة أخذوا فلسطين فمنحوها لليهود؛ لتكون المثال الصارخ على إعطاء مَن لا يملك لمَن لا يستحق!
ومخطئ مَن يظن أن الشريعة لا تتضمن إلا بيان الحالات المثالية، بل فيها كأحكام تفصيلية أو كقواعد كلية حلٌّ لكل مشكلة، ومنهاج للتعامل مع كل واقع.