شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات على الطاعة (2)

وائل عبد القادر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق قاعدتين مهمتين

تحفظان على العبد تدينه والتزامه:

القاعدة الأولى: في الحرص، وأعني بها الحرص على الطاعات.

والقاعدة الثانية: في الحذر، وأعني بها الحذر من المعاصي.

وتناولنا في المقال السابق القاعدة الأولى، وفي هذا

المقال نتكلم عن القاعدة الثانية، وهي قاعدة الحذر مِن الذنوب، ويحمل

لواءها حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي

بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا

خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا

تُهْلِكْهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) وفي رواية عن ابن مسعود -رضي الله

عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِيَّاكُمْ

وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى

يُهْلِكْنَهُ ) وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ، فَحَضَرَ

صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ،

وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا،

وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا. (رواه أحمد،

وحسنه الألباني) .

وبوب الإمام البخاري

-رحمه الله-: "بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ"، وأورد

أثرًا عن أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ

أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا

لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ

الْمُوبِقَاتِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُهْلِكَاتِ".

والمحقرات: ما لا

يبالي المرء بها ظنًّا منه بأنها صغيرة وحقيرة.

وفي هذه القاعدة أمثلة كثيرة، نتخير بعضها:

1- عَنْ ابْنِ

عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ- مِنْ بَعْضِ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ

يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ: ( يُعَذَّبَانِ

وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا

يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) (متفق عليه) .

فقد أشار الحديث إلى

أن صاحبا القبرين يعذبان، وأنهما لا يعذبان في كبير، وإنه لكبير.

قال

الإمام ابن حجر -رحمه الله- في بيان معنى الرواية السالفة الذكر نقلًا عن أهل العلم: "وَقِيلَ: الْمَعْنَى

لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي الصُّورَة؛ لِأَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى

الدَّنَاءَة وَالْحَقَارَة، وَهُوَ كَبِير الذَّنْب. وَقِيلَ: لَيْسَ بِكَبِيرٍ

فِي اِعْتِقَادهمَا أَوْ فِي اِعْتِقَاد الْمُخَاطَبِينَ، وَهُوَ عِنْد اللَّه

كَبِير، كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( وَتَحْسَبُونَهُ

هَيِّنًا وَهُوَ عِنْد اللَّه عَظِيم ) (النور:15) . وَقِيلَ: لَيْسَ بِكَبِيرٍ فِي مَشَقَّة الِاحْتِرَاز، أَيْ: كَانَ لَا

يَشُقّ عَلَيْهِمَا الِاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا الْأَخِير جَزَمَ بِهِ

الْبَغَوِيُّ وَغَيْره، وَرَجَّحَهُ اِبْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة. وَقِيلَ: لَيْسَ

بِكَبِيرٍ بِمُجَرَّدِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ كَبِيرًا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ، وَيُرْشِد

إِلَى ذَلِكَ السِّيَاق؛ فَإِنَّهُ وَصَفَ كُلًّا مِنْهُمَا بِمَا يَدُلّ عَلَى

تَجَدُّد ذَلِكَ مِنْهُ وَاسْتِمْرَاره عَلَيْهِ لِلْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ

الْمُضَارَعَة بَعْد حَرْف كَانَ. وَاَللَّه أَعْلَم".

وقال

الإمام النووي -رحمه الله-: "وَسَبَب كَوْنهمَا كَبِيرَيْنِ: أَنَّ عَدَم

التَّنَزُّه مِنْ الْبَوْل يَلْزَم مِنْهُ بُطْلَان الصَّلَاة فَتَرْكه كَبِيرَة

بِلَا شَكّ، وَالْمَشْي بِالنَّمِيمَةِ وَالسَّعْي بِالْفَسَادِ مِنْ أَقْبَح

الْقَبَائِح؛ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْله -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( كَانَ يَمْشِي ) بِلَفْظِ: ( كَانَ )

الَّتِي لِلْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّة غَالِبًا. وَاللَّهُ أَعْلَم".

وقال -رحمه الله-: "وَأَمَّا

قَوْل النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا

يَسْتَتِر مِنْ بَوْله ) فَرُوِيَ ثَلَاث رِوَايَات: ( يَسْتَتِر ) بِتَائَيْن مُثَنَّاتَيْن، ( وَيَسْتَنْزِه ) بِالزَّايِ وَالْهَاء، ( وَيَسْتَبْرِئ ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالْهَمْزَة

وَهَذِهِ الثَّالِثَة فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره، وَكُلّهَا صَحِيحَة، وَمَعْنَاهَا:

لَا يَتَجَنَّبهُ وَيَتَحَرَّز مِنْهُ. وَاَللَّه أَعْلَم".

قال ابن

حجر -رحمه الله-: "قَوْلُهُ: ( لَا يَسْتَتِرُ ): كَذَا

فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ،

وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَة، وَفِي رِوَايَة ابن عَسَاكِرَ: ( يَسْتَبْرِئُ ) بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ مِنَ

الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ: ( يَسْتَنْزِهُ ) بِنُونٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ

هَاءٌ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ: مَعْنَى الِاسْتِتَارِ أَنَّهُ لَا

يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِهِ سُتْرَةً، يَعْنِي لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُ

فَتُوَافِقُ رِوَايَةَ: ( يَسْتَنْزِهُ )؛ لِأَنَّهَا

مِنَ التَّنَزُّهِ وَهُوَ الْإِبْعَادُ.

وَقَدْ وَقَعَ

عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ:

"كَانَ لَا يَتَوَقَّى"، وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ وَأَجْرَاهُ

بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ،

وَضُعِّفَ بِأَنَّ التَّعْذِيبَ لَوْ وَقَعَ عَلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ

لَاسْتَقَلَّ الْكَشْفُ بِالسَّبَبِيَّةِ، وَاطُّرِحَ اعْتِبَارُ الْبَوْلِ

الصفحة التالية