الثبات على الطاعة (2)
وائل عبد القادر • التزكية
فَيَتَرَتَّبُ الْعَذَابُ عَلَى الْكَشْفِ سَوَاءٌ وُجِدَ الْبَوْلُ أَمْ لَا؟
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ... وَأَمَّا رِوَايَةُ الِاسْتِبْرَاءِ؛ فَهِيَ أَبْلَغُ
فِي التَّوَقِّي، وَتَعَقَّبَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ رِوَايَةَ الِاسْتِتَارِ بِمَا
يحصل جَوَابه مِمَّا ذكرنَا.
قَالَ ابن دَقِيقِ
الْعِيدِ: لَوْ حُمِلَ الِاسْتِتَارَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لَلَزِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ
كَشْفِ الْعَوْرَةِ كَانَ سَبَبَ الْعَذَابِ الْمَذْكُورِ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْبَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ خُصُوصِيَّةً
يُشِيرُ إِلَى مَا صَححهُ ابن خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
مَرْفُوعًا: أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ؛ أَيْ: بِسَبَبِ تَرْكِ
التَّحَرُّزِ مِنْهُ".
فيظهر مِن ذلك خطورة ما قام به صاحبي القبرين من
عمل ظنًّا منهما أنه يسير، وهو عند الله كبير، والذي تمثَّل في:
1- عدم التحرز من
رشاش البول وارتداده على ثياب وبدن صاحبه، وهو غير عابئ بهذا العمل؛ مما يكون سببًا
في عذابه -عياذًا بالله-، وقد تأكَّد ذلك بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتنزه
من البول.
2- خطورة الكلمة
يتكلم بها المرء من سخط الله لا يلقى لها بالًا فتكون سببًا في هلاكه -عياذًا
بالله من ذلك-، كما ثبت في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أنه
سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ
مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ ) (متفق عليه، واللفظ
لمسلم) ،
وفي رواية للبخاري: ( وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ
بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي
جَهَنَّمَ ).
فرب كلمة واحدة
أوبقت صاحبها -عياذًا بالله- من غيبة ونميمة وكذب، وقول الزور والبهتان، وقذف
المحصنات والقول على الله بغير حق، أو مَن يسب دين الله -تعالى- أو يستهزئ بسنة من
سنن المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وكل ذلك من آفات اللسان التي ينبغي للعبد أن
يصون لسانه عنها.
قال ابن
حجر -رحمه الله- تعليقًا على الحديث: "فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَزْهَدَ
فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَا فِي قَلِيلٍ مِنْ الشَّرِّ
أَنْ يَجْتَنِبَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْحَسَنَةَ الَّتِي يَرْحَمُهُ
اللَّهُ بِهَا، وَلَا السَّيِّئَةَ الَّتِي يَسْخَطُ عَلَيْهِ بِهَا".
2- في الصحيحين
واللفظ لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ
النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ
أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا ).
3- ثم تأمل كيف تعمل
مثاقيل الذر من السيئات في أصحابها في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي
الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) (رواه مسلم) .
قال النووي
-رحمه الله- في شرح الحديث: "الظَّاهِر مَا اِخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاض
وَغَيْره مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة دُون مُجَازَاةٍ
إِنْ جَازَاهُ. وَقِيلَ: هَذَا جَزَاؤُهُ لَوْ جَازَاهُ، وَقَدْ يَتَكَرَّم
بِأَنَّهُ لَا يُجَازِيه، بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَدْخُل كُلّ الْمُوَحِّدِينَ
الْجَنَّة؛ إِمَّا أَوَّلًا، وَإِمَّا ثَانِيًا بَعْد تَعْذِيب بَعْض أَصْحَاب
الْكَبَائِر الَّذِينَ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: لَا يَدْخُل مَعَ
الْمُتَّقِينَ أَوَّل وَهْلَة".
فهذا المتكبر على
خطرٍ عظيمٍ بسبب كبره؛ لأنه ينازع الرب -جل وعلا- في ردائه، فاستحق هذا الوعيد
الشديد، كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( قَالَ اللَّهُ -عَزَّ
وَجَلَّ-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي
وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
قال صاحب
عون المعبود -رحمه الله-: "( الْكِبْرِيَاء رِدَائِي
وَالْعَظَمَة إِزَارِي ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَام
أَنَّ الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة صِفَتَانِ لِلَّهِ -سُبْحَانه-، وَاخْتَصَّ
بِهِمَا لَا يَشْرَكُهُ أَحَد فِيهِمَا، وَلَا يَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ أَنْ
يَتَعَاطَاهُمَا؛ لِأَنَّ صِفَة الْمَخْلُوق التَّوَاضُع وَالتَّذَلُّل. وَضَرَبَ
الرِّدَاء وَالْإِزَار مَثَلًا فِي ذَلِكَ، يَقُول وَاَللَّه أَعْلَم: كَمَا لَا
يُشْرَك الْإِنْسَان فِي رِدَائِهِ وَإِزَاره، فَكَذَلِكَ لَا يَشْرَكُنِي فِي
الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة مَخْلُوق. ( فَمَنْ نَازَعَنِي
وَاحِدًا مِنْهُمَا ): أَيْ مِنْ الْوَصْفَيْنِ. وَمَعْنَى ( نَازَعَنِي ): تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَيَصِير فِي مَعْنَى
الْمُشَارِك. ( قَذَفْته ): أَيْ رَمَيْته مِنْ
غَيْر مُبَالَاة بِهِ".
فــخـــلِّ
الــذنـوب صـغــيـرهــا وكـــبـــيــرهــا
ذاك الــتـــقـــى
واصـنع
كــمـاشٍ فـــوق أرض الـــــشـوك
يـحـــذر مـا يـــرى
لا
تحقرن من الذنوب صـغـيرة إن
الــجـــبــال مــن الحــصــى